آخر الأخبارالغد الاردني

“حريق المطعم” يفتح ملف توفير شروط السلامة في أماكن العمل

رانيا الصرايرة

عمان– حتى اللحظة لا يعلم المواطن محمد العزام تفاصيل ما حدث مع ابنه وشابين آخرين قضوا في حريق مطعم مقابل الجامعة الأردنية السبت الماضي، لكنه قال وعلامات الأسى واللوعة ظاهرة في صوته الناحب: “عوضي بوجه الكريم، ابني شاب إله خمس سنين بيطلع من حوفا الوسطى في إربد لعمان يشتغل عشان يحوش ليبني غرفة وتوابعها ويتزوج، لكن القدر حكاله لهون وبكفي.

لا اعتراض على قدر ربنا، لكن ثلاثة شباب تبلعهم النار وهم بيشتغلوا وما يطلع مسؤول واحد في الحكومة يجبر بخاطرنا ويعزينا!! ما يشارك في العزا أي مندوب من أي جهة!! احنا مش مواطنين وإلنا حقوق؟ والمشكلة لحتى اليوم ما حدا شرحلنا شو صار مع أولادنا”.

ويتابع والد حسن أن ابنه البالغ من العمر 24 عاما يعمل منذ خمس سنوات في المطعم براتب أساسي 260 دينارا، إضافة إلى حوالي 180 دينارا بدل عمل إضافي، حيث يعمل تسع ساعات يوميا، ويزور أهله في نهاية الأسبوع فقط”.

ويضيف أن حسن أنهى التوجيهي وقرر البحث عن فرصة عمل حتى يبني مستقبله، ونظرا لانعدام فرص العمل في حوفا الوسطى، بحث عن عمل في العاصمة كعشرات الشبان، موضحا: “إحنا بنصير عبيد للشغل، لأنه الرواتب متدنية وبنفس الوقت متعبة وشاقة، لكن لا بديل أمام أبنائنا إلا القبول بها”.

ووفق معلومات أولية صادرة عن تقرير للدفاع المدني أشارت الى ان سبب الحريق “تلف خرطوم أنبوبة الغاز، ونتج عنه إصابة العمال الثلاثة بحروق شديدة، ثم اختنقوا من الدخان ولم يستطيعوا الهرب، لأن المطبخ غير مزود بمخرج”.

رئيس قسم الطب الشرعي في مستشفى الجامعة الأردنية الدكتور عماد العبداللات أكد لـ”الغد” أنه “بعد الكشف على الحالات الثلاث للعمال تبين أن سبب الوفاة الحروق الشديدة والاختناق”، لكنه يؤكد أن فحوصات الدم التي سينتهي تحليلها خلال 14 يوما هي ما سيؤكد سبب الوفاة بشكل دقيق، مشيرا إلى أنه “عند الكشف على الحالات لوحظ وجود انتفاخ وعلامات زرقاء قد يكون سببها الاختناق”.

وما حدث مع العمال الثلاثة يفتح مجددا ملف أهمية توفير شروط صحة وسلامة مهنية في أماكن العمل، في ظل اعلان مؤسسة الضمان الاجتماعي مؤخرا عن استقبالها 16020 إصابة عمل منذ بداية العام الحالي حتى نهاية شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، ولتبلغ قيمة نفقات الاصابات المذكورة نحو مليوني دينار شملت البدلات اليومية للمؤمن عليهم أثناء العجز المؤقت عن العمل، وتعويض الدفعة الواحدة، ومصاريف العناية الطبية التي تشمل تكاليف المعالجة الطبية والاقامة بالمنزل، ونفقات انتقال المصاب من مكان السكن الى المكان الذي يعالج فيه والعودة منه، والخدمات والتجهيزات التأهيلية.

مدير بيت العمال حمادة ابو نجمة يؤكد انه بالرغم من ان أرقام مؤسسة الضمان تشير إلى حصول ما يقرب من (39) حادث عمل كل دقيقة ووفاة إصابية كل يومين، إلا أنها لا تعكس الأعداد الفعلية والحقيقية لإصابات العمل في الأردن، والتي من المؤكد بأنها أكثر من ذلك بكثير لعدة أسباب، من أهمها أن العاملين في الزراعة وعمال المنازل ما زالوا غير مشمولين بالضمان الاجتماعي، خاصة أن القطاع الزراعي يعتبر عالميا الأعلى في نسبة إصابات العمل.

وأضاف أن الاقتصاد غير المنظم يعاني أيضا من هذه المشكلة، حيث تشير التقديرات إلى أن العاملين فيه يشكلون ما يقرب من 45 % من مجموع العاملين في المملكة، وهم في الغالب غير مشمولين بالضمان الاجتماعي، كما أن بعض المنشآت قد تعمد إلى عدم التبليغ عن الإصابات وتفضل تغطية النفقات المترتبة عليها من خلال شركات التأمين، بهدف الحفاظ على ملفها نظيفا لدى الضمان الاجتماعي.

وزاد: “وفي ظل النقص الواضح لدى وزارة العمل في الكوادر البشرية المتخصصة بالرقابة على مدى الالتزام بشروط السلامة والصحة المهنية في مواقع العمل، فإن العديد من المنشآت تبقى خارج نطاق عمليات التفتيش التي تتولاها الوزارة لهذه الغاية، ولا تحظى بالمساعدة الفنية الكافية أو بالنصح والإرشاد الذي تقدمه لأصحاب العمل والتوجيه الفني حول السبل اللازمة لتطوير أدائها في هذا الشأن، وفي توفير الحمايات من الحوادث والإصابات، الأمر الذي يتطلب أولا دعم وزارة العمل بكوادر متخصصة ومؤهلة وبأعداد كافية، واعتماد الوسائل الحديثة للتفتيش وحوسبة أعماله وتفعيل وسائل التفتيش عن بعد”.

وعلى الصعيد التشريعي، وبالرغم من أن قانون العمل قد أفرد فصلا خاصا لموضوع السلامة والصحة المهنية وصدر بموجبه عدد من الأنظمة والتعليمات، خاصة فيما يتعلق بالاحتياطات اللازمة لحماية المؤسسة والعاملين فيها من أخطار العمل ووسائل الحماية الشخصية والوقاية للعاملين وغير ذلك، إلا أن ابو نجمة يؤكد ان التشريع الأردني ما زال بحاجة إلى نصوص أكثر شمولية وتفصيلا من النواحي الفنية تتضمن توجيهات متخصصة للوقاية من الأخطار على مستوى كل قطاع.

وحدد بصورة خاصة القطاعات الأكثر تعرضا لحوادث العمل، وهي الزراعة والإنشاءات والصناعات التحويلية المختلفة، إضافة إلى أهمية التوجه نحو المصادقة على اتفاقيات العمل الدولية الأساسية في السلامة والصحة المهنية، وعلى رأسها الاتفاقية رقم 187 الخاصة بالإطار الترويجي للسلامة والصحة المهنية، والاتفاقية رقم 155 الخاصة بالسلامة والصحة المهنيتين، الأمر الذي سيساهم في تطوير الأداء التشريعي والتنظيمي للأردن في هذا المجال، وتحفيز الجهات والمنظمات الدولية لتقديم الدعم الفني اللازم لذلك.

وفي ظل تعدد الجهات المعنية بالسلامة والصحة المهنية، وتنوع القطاعات الاقتصادية التي تتطلب معالجات خاصة لكل منها وسياسات وبرامج متخصصة تراعي طبيعة بيئة العمل فيها والأجهزة والآليات المستخدمة وأشكال الأخطار التي قد يتعرض لها العاملون فيها للحوادث والإصابات، “فما زالت جهودنا غير موحدة وما زالت الشراكة مع القطاع الخاص في أدنى مستوياتها، الأمر الذي يتطلب العمل وعلى وجه السرعة لوضع استراتيجية وطنية وإطار وطني للسلامة والصحة المهنية تشارك فيه سائر الجهات المعنية في القطاعين العام والخاص، وبشكل يراعي احتياجات سائر القطاعات وفق المعايير الدولية المعتمدة والممارسات الفضلى”، بحسب أبو نجمة.

ويؤكد غياب التنسيق بين الجهات المعنية الذي يظهر جليا بالنظر إلى الواقع العملي، ومن الأمثلة على ذلك عدم وجود آليات واضحة للرصد وللتحقيق في حوادث وإصابات العمل بالتنسيق بين الجهات الرقابية والأمنية والصحية، كما أن دور النقابات العمالية والهيئات الممثلة لأصحاب العمل ما زال قاصرا في بعديه الاقتصادي والاجتماعي، ولا نكاد نرى لها أي مشاركات سوى في بعض الأنشطة التدريبية.

مديرة قسم الحوادث وإصابات العمل في وزارة العمل المهندسة ايمان العبداللات تبين ان الوزارة تنفذ جولات تفتيشية على المنشآت للتأكد من مدى تطبيقها لشروط الصحة والسلامة المهنية، وتوفير بيئة عمل صحية وآمنة ولائقة خالية من الإصابات وحوادث العمل في جميع القطاعات والمهن، من خلال رفع الوعي والالتزام بالمعايير والممارسات الفضلى الخاصة بالسلامة والصحة المهنية بما يضمن حقوق العمال من خلال إيجاد منظومة متكاملة من المعايير والسياسات والأدوات الرقابية وفق نهج تشاركي مع المؤسسات الرسمية المعنية والقطاع الخاص.

وتبين العبداللات أن الوزارة تنتظر تقرير الجهات ذات العلاقة مثل الدفاع المدني والمدعي العام حول سبب الوفاة في حادثة المطعم لتتخذ إجراءاتها، مع تأكيدها أن من مهام قسم الحوادث وإصابات العمل في الوزارة التحقيق في هذه الحوادث ووضع الحلول لمنع تكرارها، واحتساب التعويض في حالات إصابات العمل لغير الخاضعين لأحكام الضمان الاجتماعي التي نص عليها قانون العمل الأردني، وتحويل المصابين غير الخاضعين لأحكام الضمان الاجتماعي من العمال في حالات تعرضهم لإنهاء الخدمات بموجب أحكام قانون العمل الأردني الى المرجع الطبي لبيان مدى قدرتهم على العمل وتقدير نسب العجز.

أما الخبير في التأمينات الاجتماعية موسى الصبيحي فقال إن حادث الحريق المؤسف الذي أدّى إلى وفاة ثلاثة عاملين، يعتبر من حوادث العمل الكبرى التي يجب أن يتم التعامل معها الضمان الاجتماعي من حيث المبدأ على أنها وفيات ناشئة عن حادث عمل، بعد أن يتحقق من الموضوع ويطّلع على تحقيقات الجهات الرسمية المعنية.

وقال الصبيحي: “هؤلاء العاملون الذين توفّاهم الله كانوا في مكان العمل، كما علمنا، أثناء فترات دوامهم في المطعم، وبصرف النظر عن أسباب الحادث، وما إذا كان ناتجاً عن إهمال أو عدم تقيّد بشروط السلامة العامة ومعايير الصحة والسلامة المهنية أو غير ذلك، إلا أن الحادثة كانت مرعبة، ما أدى إلى إزهاق ثلاث أرواح”.

ودعا “الضمان” إلى التعامل مع هذه الحادثة بالسرعة الممكنة من ناحية التحقق أولاً من قيام صاحب العمل بشمولهم المسبق بأحكام قانون الضمان، فإذا لم يكن قد قام بذلك، فعلى الضمان أن يقوم بواجبه ويشملهم بأثر رجعي من تاريخ التحاقهم بالعمل في هذا المطعم، وإلزام صاحب العمل بتحمّل الاشتراكات التي تترتّب على ذلك”.

وأضاف: “بعد التحقق من اكتمال سائر أركان وشروط اعتبار الحادثة إصابة عمل، وهي كذلك من حيث المبدأ، فإن من حق هؤلاء العاملين المؤمّن عليهم بالضمان أن تُخصّص لهم رواتب تقاعد الوفاة الناشئة عن إصابة عمل بنسبة 75 % من رواتبهم الخاضعة للضمان بتاريخ وقوع الحادثة، يضاف إلى ذلك الزيادة المقررة على رواتب التقاعد وفقاً للقانون، ثم يوزّع الراتب الذي تم تخصيصه لكل منهم على ورثتهم المستحقين وفقاً لأحكام قانون الضمان الاجتماعي”.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock