أفكار ومواقف

حسم الجدل حول البريكست

بتقديري، شكلت الانتخابات البريطانية التي جرت قبل يومين استفتاء جديدا على مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تبددت كل الشكوك التي دارت حول حقيقة موقف الشعب البريطاني، ما يعني أن مسلسل البريكست وصل إلى نهايته وأن الطلاق سيكون نهائيا بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. فرئيس الوزراء بوريس جونسون يعتبر أنه حصل على تفويض جديد من الشعب بخصوص قضية البريكست، ما يعني أنه سيقوم بإخراج بلاده من الاتحاد الأوروبي في الوقت المتحدد من دون إعاقات كبيرة.
اللافت في نتائج الانتخابات ليس فقط فوز حزب المحافظين بأغلبية 364 مقعدا -وهو فوز كبير جدا ربما لم يتحقق على مدار أربعة عقود- ولكن وضوح حزب المحافظين من حيث تبلور موقف يميني متشدد ربما يحاكي اجتياح اليمين لكثير من دول العالم الحر. فمواقف حزب العمال بقيادة جيرمي كورين التي اتخذت شكلا من أشكال الانزياح الواضح نحو اليسار تلقت ضربة قاصمة سيكون لها ارتدادات كثيرة في قادم الأيام.
لكن هذا الانتصار لا يعني طيّ ملفات مزعجة بالنسبة للحكومة البريطانية بصرف النظر عن هوية الحزب الحاكم، فالتحدي الأهم الذي يترتب على هذا الفوز الكبير لحزب المحافظين هو كيف يمكن لهذا الحزب إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والتعامل مع دعوات الانفصال في أسكوتلندا. وبالفعل قالت رئيسة الوزراء في اسكوتلندا إن حكومتها ستنظم استفتاء جديدا على الاستقلال، ما يعني أن وحدة المملكة المتحدة باتت مهددة بشكل جليّ. ففوز المحافظين ووضوح نهجهم إزاء العلاقة مع أوروبا ريما يضعفان الوحدويين في اسكوتلندا ويعطيان ذخيرة إضافية للمطالبين باستقلال بلادهم.
التحدي الآخر الذي سيواجه بوريس جونسون يتمثل في العلاقة مع أوروبا بعد البريكست، صحيح أن قادة الاتحاد الأوروبي عبروا عن ارتياحهم لنتائج الانتخابات التي قدمت وضوحا كان مفقودا في السنتين الأخيرتين، إلا أنهم ربما لن يكونوا متسامحين كثيرا مع بريطانيا بعد الانسحاب، فهناك من بينهم من يريد أن يردع أعضاء الاتحاد الأوروبي من خلال رفع الكلفة على بريطانيا. ربما ينجح بوريس جونسون من الخروج وفقا للموعد المقترح، لكن أيضا لن يكون توقيع الاتفاق التجاري سهلا؛ فكندا على سبيل المثال، تمكنت من التوصل إلى اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي بعد مرور سبع سنوات على مفاوضات طويلة، وعليه فإن اعتقاد جونسون بأن بلاده ستتوصل إلى اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي قبل نهاية العام المقبل هو أقرب إلى الأماني منه إلى الواقع.
لكن من جانب آخر، تعد بريطانيا قوة اقتصادية وعسكرية لا يمكن لأوروبا التعامل معها وكأنها اليونان على سبيل المثال. فالاقتصاد البريطاني هو خامس أقوى اقتصاد وجيشها من أفضل خمسة جيوش في العالم، وفي الوقت ذاته هناك تحديات أمنية كبيرة تواجه القارة الأوروبية ربما تدفع قادة الاتحاد الأوروبي إلى التعامل بحذر مع لندن، وبخاصة في ضوء التسريبات التي تتحدث عن نية ترامب الانسحاب من حلف النيتو. فالحديث عن جيش أوروبي موحد يعني من جملة ما يعني الحاجة إلى التوصل إلى تفاهمات كبيرة ومتنوعة مع بريطانيا التي تتمتع بقدرات عسكرية كبيرة.
باختصار، قال البريطانيون كلمتهم بخصوص العلاقة مع أوروبا، فحرص البريطانيون على هوية بلادهم وموقفهم الواضح من المهاجرين دفعهم إلى سحب بلادهم من الاتحاد الأوروبي، والتحديات التي واجهت بريطانيا من جراء البقاء في الاتحاد أو التي رافقت عامين من عدم التيقن لا تقل عن التحديات التي ستواجه بريطانيا والاتحاد البريطاني عندما يعلن الطلاق الكامل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وربما يكشف المستقبل عن تحديات إضافية لم يمكن التوقف عندها في الوقت الراهن.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock