أفكار ومواقف

حسنا.. و”إسرائيل”..؟!

علاء الدين أبو زينة

الأسئلة التي خطرت لمعظم العرب لدى مشاهدة رد فعل «المجتمع الدولي» على الغزو الروسي لأوكرانيا: «يا مجتمع يا دولي.. تدينون غزو روسيا واحتلالها ومصادرتها حرية الأوكران؟ حسناً! و(إسرائيل)؟ وأميركا؟ وتدخلاتكم الوحشية في بلادنا؟

من المفارقات التي بدت مثل كوميديا سوداء وصف وزير خارجية العدو الصهيوني، يائير لبيد، الغزو الروسي لأوكرانيا بأنه «انتهاك صارخ للنظام الدولي». وأتصور أنه كان ذكياً حين قال «النظام الدولي» ولم يقل «القانون الدولي» –إذا كانت ترجمة تصريحه دقيقة.

فـ»النظام الدولي» بالكيفية التي رتبته بها أميركا هو الذي يسمح لكيانه بمواصلة انتهاك «القانون الدولي» بحصانة. بل إن نفس الدول أم الديمقراطية والحقوق التي مررت قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر وجود الكيان في الضفة والقطاع الفلسطينيين، على الأقل، احتلالاً، تستضيف الكيان في ناديها، وتتاجر معه وتسلحه وتدير وجهها عن فظائعه.

يحق إذن للبيد الاعتراض على انتهاك هذا «النظام الدولي» الانتقائي الذي يستثني كيانه من الامتثال لـ»القانون الدولي»، ويضعه في فئة «الديمقراطيات».

بينما تحظر الاتحادات الرياضية الدولية تباعاً مشاركة فرق روسيا ورياضييها في مسابقاتها كنوع من العقاب، تلعب فرق الكيان ضمن ورياضيوه في أوروبا. (طبعاً قبل أن يفتح لهم بعض العرب صدورهم وملاعبهم). ويعني ضم أوروبا فرق الكيان في حضنها الرياضي أنها تضرب بعرض الحائط رفض آسيا مشاركة الكيان على أسس قانونية وأخلاقية، بوصفه كيان احتلال بالتعريف الدولي.

لسنا في حاجة إلى حوادث إضافية لتذكيرنا بأننا غير صالحين للتمتع بالعدالة والقانون وحقوق الإنسان بمعايير «المجتمع الدولي». من الواضع أن العرب، وشعوب الأقل من بشر (غالباً الملونون)، ليسوا موضع ترحيب في نادي هذا «المجتمع» النخبوي اليورو-أميركي. لا هُم مؤهلون كدول لتُحسب في «الدولي»، ولا كبشر يُقبلون في «المجتمع».

وبذلك حرام عليهم التمتع بامتيازات أعضاء هذا المجتمع من الحماية والتعاطف والدعم. وقد ظهر بين سطور حديث الأزمة الأوكرانية شيء من المؤهلات التي يفتقر إليها العرب.

مثلاً، في مقابلة على شاشة «بي. بي. سي»، قال، متحدثاً من كييف، ديفيد ساكفاريليدزي، النائب السابق في البرلمان الجورجي، ونائب المدعي العام السابق في أوكرانيا والحاصل الجنسية الأوكرانية: «الأمر مثير للعاطفة حقاً. إنني أرى أناساً أوروبيين، بعيون زرقاء، وشعر أشقر، يُقتلون؛ أطفالاً يُقتلون كل يوم بصواريخ بوتين، ومروحياته وصواريخه».

وفي تقريره من كييف، قال مراسل محطة «سي. بي. إس» الأميركية: «… ولكن، ليس هذا المكان، مع الاحترام الواجب، كما تعرفون، مثل العراق؛ مثل أفغانستان، اللتين شهدتا صراعاً يستعر لعقود. هذا مكان متحضر نسبياً، أوروبي نسبياً، علي أن أختار هذه الكلمات بحذر أيضاً، مدينة حيث لا تتوقع أو تأمل في أن تحدث مثل هذه الأشياء…».

وفي حديثه إلى اجتماع للناتو، استعطف الرئيس الأوكراني المجتمعين بقوله: «نحن مثلكم أيها الأوروبيون». ربما يعني أن بلده ديمقراطي مثل الغرب؟ لكنه ربما يريد أن يقول أيضاً أن شعبه أيضاً أشقر الشعر أزرق العيون. حتى أن المتحدثة باسم المفوضية السامية للاجئين انتقدت ازدواجية معايير بعض الدول الغربية تجاه اللاجئين.

وأوضحت أن استخدام عبارات «البيض، الأوروبيين» لوصف اللاجئين الأوكرانيين، وتعبيرات مسيئة للاجئين السوريين والأفغان، أثارت انتباه الكثيرين وتسببت في موجة انتقادات واسعة. وبطبيعة الحال، رحب بوريس جونسون، الأبيض، باللاجئين البيض الأوكرانيين بينما يغرق اللاجئون السوريون والأفارقة والأفغان في القنال الإنجليزي عمداً.

ما يقوله «المجتمع الدولي» صاحب «النظام الدولي» للعرب الآن هو ما قاله دائماً: ليست للعرب قيمة اعتبارية ولا قانونية ولا إنسانية – ولن تكون- ما لم يغيروا ما بأنفسهم. ويقول للمتعلقين بأذيال الأسياد البيض أن الأسياد لا يقيمون لهم وزناً، وأن قتلاهم لا بواكي لهم، وأن عليهم أن يدفعوا «الخاوة» لقاء الحماية.

ما العمل؟ لا علاقة للمسألة بأمجاد الماضي البائد. ثمة شيء عملي في العالم. ثمة تكتلات وتحالفات تتنافس على السلطة والكرامة. وكما نرى، لا يخص الغرب المتعالي العرب بالازدراء وإنكار حق المنافسة. إنه يستهدف الصين، وروسيا، وإيران وكل أمة تطالب بحصة باعتبارها عدوانية وعدوة الحرية.

لكن الفارق أن هذه أمم فخورة، لا يُسلمها الخطاب الفوقي الازدرائي لمصيدة الاقتناع بمونقف بالدونية. ولذلك تستجمع هوياتها القومية وفخرها الوطني وطاقاتها لكي يكون لها قول. يعانون، وقد يموتون؟ لا أحد يعاني أكثر من العرب أو أكثر منهم ضحايا، وإنما بلا سعي إلى الحياة!

المقال السابق للكاتب

الحرب نشبت..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock