حياتنافنون

حسين فهمي.. حكاية أكبر من مهرجان

رشا سلامة*

وقف الممثل المصري حسين فهمي منتشياً أمام كاميرات الإعلام، في مهرجان القاهرة السينمائي، مؤخراً، مُصرّحاً بالفم الملآن وباللغتين العربية والإنجليزية أنه أمسك بالمهرجان في دورته الحالية؛ ليعيد له “الرقيّ” من جديد، بعد أن باتَ محفلاً لعرض الأزياء في الأعوام الأخيرة.
من يتابع حوارات حسين فهمي يُدرك جيداً أن هذه النزعة في الحديث ليست طارئة لديه، ولا هي وليدة المناسبة؛ إذ لا يكاد يفوّت فرصة من دون أن يذكّر بأصوله البرجوازية، وبأملاك عائلته التي صادرتها ثورة الضبّاط الأحرار، متأسفاً على ما آلت إليه مصر من نزعة شعبية بعد أن كانت نخبوية بامتياز في زمان مضى، على حد قوله.
تارةً يدعو “الواد التئيل” المصريين لربط الحزام، فيما صوره تُنشَر في أحد منتجعات الساحل الشمالي، وتارةً يدعوهم ليحذوا حذو الكوريين حين أكلوا الكلاب ونهضوا ببلادهم، فيما هو ما يزال يطالب الدولة بتعويضه عن ممتلكات عائلته التي صودرت في العام 1952، وتارةً ينظّر للمصريين في فنون الاقتصاد، فيما هو يعترف أنّه يغسل سيارته بالشامبو وأنّه يتفنن حد التجلّي في تلميع أحذيته واختيار ربطات عنقه.
حسين فهمي لا يكتفي بهذا القدر فحسب، بل يدلي بدلوه في السياسة المصرية كذلك، إلى حد وصل فيه أروقة الكونغرس الأميركي؛ ليناشد “الأميركان” التوقف عن دعم حركة الإخوان المسلمين إبان إمساك محمد مرسي بمقاليد السلطة، مبرراً موقفه السياسي الحاد من هذه الجماعة بنعوت عدة، من بينها أنّ “كوادر الحركة لا يجيدون سوى التخريب والهدم ولا يفلحون في البناء، وأنّ تاريخهم حافل بالمآسي وأنّهم صادروا حرية الرأي والتعبير”؛ بل ذهب للقول إنّ المصريين ربطوا بين الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي وبين زعيم النازية هتلر، كما قال إنّ على الفنانين والمثقفين أن يكونوا من بين الأكثر حساسية حيال حُكم هذه الحركة لدولة عريقة فنياً وحضارياً مثل مصر.
يُمعن حسين فهمي في هذا الحديث، فيقول إن أكثر اللحظات إيلاماً وانكساراً في حياته، هي نكسة العام 1967، حين كان يدرس الإخراج في أميركا ووصلته أنباء الهزيمة، فيما الثانية هي لحظة فوز جماعة الإخوان المسلمين بحكم مصر، لكنّ دبلوماسية فهمي في إسباغ الطابع الثقافي على حديثه، وكذلك التاريخي، تمنحه قبولاً من نوع خاص؛ إذ يتحدث الرجل الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، ويغنّي بالإيطالية في مرات، كما يحفظ الوقائع التاريخية، مصرياً في المقام الرئيس وعالمياً في المرتبة الثانية، ما يجعله يتحايل على أي سؤال قد يواجهه، ولا يملك حياله الردّ القاطع، بسرد معلومات تاريخية وعلمية، فلا ينفكّ محدّثه يتوقف ويصغي السمع إليه.
المناصب التي تقلّدها فهمي انتزعت الاعتراف بأهميته عالمياً؛ إذ كان سفيراً للنوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة، وانسحب من منصبه على إثر الهجمة الإسرائيلية على قانا في العام 2006، إضافة لمناصب أخرى أمسكها بجدارة لافتة كرئاسته لمهرجان القاهرة السينمائي لدورات عدة وتقلّده منصباً رفيعاً في الأولمبياد المتعلّق بذوي الاحتياجات الخاصة، وتقديمه برامج على سوية جيدة ثقافياً وفنياً، على مدار عقود، بيد أنّ ذلك كله لم يفلح في عمل مصالحة بين فهمي والجمهور، وتحديداً عقب إدلائه بتصريحات هاجم من خلالها المحجبات، حين وصفهن بـ”المعاقات” ذهنياً، ليُمضي سنين عقب هذا وهو يسعى لترقيع الأمر، من خلال قوله إنه يقصد الإعاقة البدنية وليس الذهنية، وليستشهد بحوادث بُترت فيها أيدي عاملات خلال تعاملهن مع آلات المصانع؛ لشدة سماكة ما يرتدين من طبقات، وصعوبة ممارستهن الرياضة حين يرتدين الحجاب.
ما بين زيجات فهمي التي تشغل الإعلام، وما بين تصريحاته التي لا تتوقف حول أمور جدلية من قبيل التديّن وموقفه من حركة الإخوان المسلمين، وما بين بكائه المزمن على أطلال عائلته البرجوازية، تكاد أعمال حسين فهمي الفنية تتوارى حد الاختفاء وسط هذه اللجة.

*صحافية وأستاذة جامعية في الإعلام

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock