أفكار ومواقف

حصيلة الورشة وكلفتها

لم يلق حدث سياسي أو اقتصادي على مدى السنوات الماضية حجما من النقد كالذي تلقته الورشة الاقتصادية التي انعقدت بالبحرين، سواء من الرأي العام وقادة الرأي في المنطقة أم في أميركا وأوروبا. حتى التقارير الحيادية بأقصى أجزائها الإيجابية تحدثت عن أجواء متحفظة ومتشائمة بين أوساط أولئك الذين حضروا. الورشة الاقتصادية أخفقت بتحقيق أي معيار يمكن أن يستخدم لقياس نجاحها.
حجم ونوع الحضور أولى مؤشرات الفشل. غالب الدول شاركت بتمثيل من الصف الثاني أو الثالث وهؤلاء ليسوا أصحاب قرار بقدر ما انهم ذهبوا لملء مقاعد دولهم. حال الدول التي شاركت بحجم ونوع تمثيلها وكأنه يقول للسيد كوشنر نحن هنا لعلاقتك العائلية والسياسية برئيس الدولة الأهم والأكثر نفوذا بالمنطقة والتي تربطنا بها علاقات استراتيجية متشابكة مهمة، ولسنا هنا لجودة عملك في ملف التسوية ولا لفحوى طرحك. أما التصورات الاقتصادية التي تم عرضها فهي تنظيرية أكاديمية تصلح كورقة إطارية ليس أكثر. يستطيع أي مطلع على مشاريع وأطروحات شبيهة أن يتخيل خبراء وأكاديميين أذكياء جلسوا بغرف مغلقة لساعات طويلة للانتهاء لما تم تقديمه. العمل السياسي غائب تماما عن المطروح، رغم أن مهمة السياسيين الأساسية وضع أقدام للأفكار النظرية وترجمتها عمليا على الأرض لا الانضمام لأبراج المفكرين والأكاديميين العاجية.
يدفع كوشنر وفريقه ثمن انحيازهم السياسي وغياب بصيرتهم عن الدور والثقل الذي يتمتع به أصحاب القضية الفلسطينيون. كلامه الإيجابي عن الفلسطينيين في عرضه الذي قدمه لا يزيد الأمر إلا سوءاً، فإن كان بالفعل مقتنع بضرورات المسار السياسي مع الاقتصادي، وحق الفلسطينيين بالعيش الكريم، وهذا لا بد من مسار سياسي واقتصادي لتحقيقه، فلماذا إذا هذا السلوك المنحاز والقفز عن محورية وحتمية الدور الفلسطيني بأي شأن مرتبط بعملية التسوية. وكيف يمكن للعالم أن يصدق الكلام الإيجابي عن الفلسطينيين في ضوء قرارات وقف تمويل الأونروا ونقل السفارة. ماذا كان يضير ثلاثي السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لو أنهم حافظوا على حد أدنى من التوازن السياسي وقدموا ورشة البحرين كجزء من تصور شامل فيه الاقتصادي والسياسي والإنساني.
لم يرفض الفلسطينيون ولا الدول العربية المليارات (التي هي حبر على ورق بطبيعة الحال) كما سيصور البعض في محاولة لنعتهم بالتعنت واللاواقعية، إلا أن الأداء السياسي الرديء للقائمين على الورشة الاقتصادية وعزلهم لها عن المسار السياسي جعلها تبدو مشروعا للإطاحة بالمشروع الوطني الفلسطيني لنيل الحرية والكرامة. تكلفة هذا الأداء تتعدى فشل ورشة البحرين وما تبقى من صفقة القرن؛ إدارة ملف التسوية في الشرق الأوسط ستكون من نقاط ضعف ترامب في حملته الانتخابية التي ستشتد قريبا، وسيكون الرئيس مضطرا للدفاع عن أداء القائمين على ملف التسوية السياسية في المنطقة، وسيجد من يذكره ويقارن بين أداء فريقه وأداء جيمس بيكر أو جورج متشل أو مادلين أولبرايت وغيرهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock