حياتنافنون

“حضر أبو وديع وغنى الجمهور”.. عن الخيبة التي لم يعبر عنها جورج وسوف

محمود الشرعان

«لم أكن أعيّ تمامًا ماذا يحدث لنا كجمهور.. جمهور الفنان جورج وسوف»، بدا وكأن كل شيء على ما يرام، أكتظاظا كالمعتاد في كل حفلاته، حماسا منقطع النظيّر، والكثير من الإنتظار الذي طال لنحو ساعتين.

الثامنة مساءً، بتوقيت مدينة جرش. أكثر من ستة آلاف شخص حضروا ليسمعوا سلطان الطرب وهو الذي رافقهم في أغلب تفاصيل حياتهم الحلوة حينما غنى «حلف القمر يمين وقالي يا حلوة ساعة ما شافك» كما حكَ الجرح عندما غنا «جرحونا برمش عين يا عين كلامهم مسِّنا».

الوسوف رافق جيلا وأكثر، وبقيت أغنياته رفيقة المتعبين من تفاصيل الحياة والساعين نحو الفرح ولو مرة، إذ لم تغفو تلك الأجيال وهم يرددون الكوبليه الشهير «سهرت الليل يا ليل، يا ليل، يا ليل أناجي طيفك وأنا حزين»، لم تكن ليلة واحدة بل عمرًا كاملًا، وذات العبارات تردد من وراء الزمن، «ياااه عالزمن».

تلك كلها أغاني استمرت واستمر معها صوت أبو وديع، كما يحب أن يقال عنه، وكما أطلق على كثير من عشاقه «عشاق أبو وديع»، وهي حالة فنية عربية تعبر، ولا زالت، عن حالة من الخذلان التي عاشها من سمعه وارتبطت كل تلك العبارات التي خرجت من حنجرة الوسوف وصرخ بها، ليعبر عما بداخلنا. وهو الصمت المطبق الذي لم نعبر عنه نحن يومًا ما، وكان دائمًا يقول ما نود قوله.

تلك الأغاني جزء بسيط من ذاكرة العشاق، لكن الحزن الأعمق كان حينما بدأ الوسوف، بالتعبير عن خيباتنا المريرة التي عشناها كلها معه حينما طرح سؤال: «مجاش في بالك»؟.

جورج أعمق من مطرب ظهر على المسرح وغنى، هو الذي رأى دموعنا وعبر عنها عندما قال: «مين حيمسح دمعنا ونروح لمين»، وهو الذي كان يردد الأسئلة التي كنا نخاف من قولها، فهو صاحب السؤال الأعمق عندما كان يتركنا الأحباب بمنتصف الطريق فسأل: «ليه تجرّحني بكلامك.. طب ما تهجر من سُكات.. ليه، ليه بتستكثر عليّ، إني أعيش الذكريات».

هو ذاته جورج لا أحد غيره، دائم القدرة على الحديث عنّا، لا أحد يفعل ذلك غيره، تلك الأسطورة التي لم يستطيع أحد كسرها من الفنانيين الأخرين، في حال صح أن نسمي أبو وديع فنان، فهو أكبر من تلك التصنيفات والمسميات، فهو بمثابة المدافع الأول عنّا أمام حزننا الكبير.

ما سبق جزء من نستولوجيا لصوت جورج، الذي نحفظه عن ظهر قلب، لكن هناك خيبة لم يعبر عنها جورج من قبل، فبعد دخول أبو وديع المسرح، وسط حالة من الترحيب الواسع المختلط بالحب والتعب، والألم.. والألم أيضًا. غنى الجمهور أول أغانيه برفقته، كما عودنا واعتدنا، لكن شيء ما تغير حينما كان هناك إصرار جماهيري على الاستمرار بالغناء مع سلطان الطرب، وهو «زمن العجايب» الذي تحدث عنه جورج ذاته.

«لم أكن أعيّ تمامًا ماذا يحدث لنا كجمهور، كنت أعتقد أنه الحزن المعتاد، لكن هذه خيبة لنا كعشاق الوسوف، نحن قدمنا للمهرجان لنسمعه لا أن نغني معه»، يقول أحد مستمعي جورج، واصفا الحفلة “كأنها لمغني مغمور لا يحفظ أغانيه، ونضطر للغناء معه”.

انتظرت الأغنية الأولى أن تنتهي حتى أسمع صوت السلطان، استمر الانتظار الأغنية الثانية والثالثة، حتى انتهت الحفلة، سمعت جورج في بعض الكلمات فقط وغنى الجمهور كثيرًا وبعض الوقت كانت للفرقة الموسيقية، لكن لم ينته إنتظاري.. فمنذ عام 2003، آخر حفلة له في جرش حتى الأمس ونحن ننتظر صوت أبو وديع، إلا أن الانتظار سيستمر.

تلك الخيبة الأعمق، التي أيقنت بها أني لم أسمع صوت جورج وسوف، وأن رفيق الخيبات أصبح هو الخيبة أيضًا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock