أفكار ومواقف

حظر الجمعة مجددا

عودة حظر الجمعة تعيد الجدل الدائر مجددًا حول جدوى هذا الإجراء ومدى اتساقه وتناغمه مع الأسباب الواقعية والموضوعية التي تدعو إليه والمتمثلة في كسر سلسلة وباء كورونا المستجد أو تسطيح المنحنى الوبائي، وفي الوقت ذاته مدى تلبيته للمتطلبات القانونية التي تشكل سندًا له.
على المستوى الدولي، وفي وقت مبكر، تم تأصيل وتقنين حالات الطوارئ وما يستتبعها من تطبيق تشريعات واتخاذ إجراءات، وذلك بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أكد في المادة الرابعة، أنه في حالات الطوارئ المعلن عنها رسميًا يجوز للدول أن تتخذ في أضيق الحدود تدابير قد تؤدي إلى عدم تقيد الدولة بالتزاماتها المفروضة عليها بموجب هذا العهد فيما يتعلق بالحقوق الواردة فيه، إلا أن العهد ذاته وضع شرطًا بأن لا تنطوي هذه التدابير على تمييز قائم على العرق أو اللون أو الجنس أو غيرها من الاعتبارات، ما يعني أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان تقر بوجود حالات تستدعي الموازنة في بعض الأحيان، وترجيح حقوق أولى بالرعاية من غيرها خلال فترة زمنية محددة. ويعد الحق في حرية التنقل من أبرز الحقوق التي تخضع للتقييد وأحيانًا أخرى للتعطيل في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
على المستوى الوطني، جاء قانون الدفاع رقم (13) لسنة 1992 ليقر صراحةً بصلاحية رئيس الوزراء في الحد من تنقل الأفراد أو منعهم من ممارسة هذا الحق وغيره من الحقوق في حالة توفر حالة الطوارئ. في ظل وجود سند قانوني كهذا، لا بد من أن تكون الأسباب المؤدية لاستخدامه من الجدية والموضوعية في الوقت ذاته. حالة الوباء العام وتجدده باستمرار واتخاذه أشكالًا جديدة متحورة هو بلا شك من الأسباب التي تشكل سندا لاتخاذ العديد من الإجراءات الرامية إلى كبح جماحه، ولكن ما ينقصنا في هذا الإطار بضع مسائل محورية تعزز شرعية هذه الإجراءات وتبعث الطمأنية في نفوس الأفراد تجاهها وتسهم في بناء القرارات على أسس من التشاركية والشفافية: المسألة الأولى في هذا الإطار، اللجوء إلى البحث العلمي للتحقق من فائدة بعض الإجراءات مثل حظر الجمعة، وذلك من خلال تجييش الوسائل المتاحة والطواقم اللازمة لإجراء بحث عن مدى تأثير يوم الجمعة وما يرافقه من تجمعات على زيادة حالات الإصابة. أما المسألة الثانية، فهي وضع البدائل اللازمة للمتضررين من هذا الحظر ودراسة أوضاعهم، خاصة ما يتعلق بتعويضهم وبيان أثر اتخاذ هذا الإجراء على مسيرة حياتهم الاقتصادية وقدرتهم على إعالة عائلاتهم لتخفيف الأثر المجتمعي لمثل هذه الإجراءات.
بقي أن نقول، إن اللجوء إلى تطبيق قانون الدفاع يعد تحرراً مؤقتاً من التقيد الحرفي بأحكام مبدأ المشروعية، بالقدر الذي يُمكّن السلطات العامة من القضاء على المخاطر الاستثنائية؛ لضمان ديمومة النظام الاجتماعي، شريطة خضوع أعمالها وتصرفاتها للرقابة القضائية كما نص على ذلك قانون الدفاع ذاته، هذه الرقابة التي تعد مكنةً بيد الأفراد تمكنهم من الطعن في قرارات وأوامر الدفاع والمطالبة بالتعويض ليكون القضاء هو الفيصل والحكَم العادل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock