ترجمات

حظ سيئ للمرة الثانية: رئيس وزراء إسرائيل سيكافح بشدة من أجل البقاء في منصبه

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 18/9/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لم يضطر السيد نتنياهو إلى التنازل والتسلم بعد. سوف يظل في منصبه كرئيس وزراء مؤقت إلى أن تؤدي الحكومة الجديدة اليمين الدستورية. وقد يستغرق ذلك ما يصل إلى ستة أسابيع. ويفتقر بيني غانتز، الجنرال السابق الذي يقود حزب “أزرق-أبيض” الوسطي، وهو الآن أكبر حزب في الكنيست بهامش ضيق، إلى تحقيق أغلبية أيضاً. ولا يتقاسم خصوم نتنياهو المتنوعون أرضية مشتركة كافية لتشكيل حكومة ائتلافية خاصة بهم. ويرفض الكثير من الإسرائيليين اعتبار الأحزاب العربية شركاء شرعيين في الائتلاف، على الرغم من أن عدداً متزايداً من الناخبين العرب يرغبون في لعب دور أكبر.

  • * *
    قضى بنيامين نتنياهو آخر ساعتين من التصويت في الانتخابات العامة التي جرت في إسرائيل يوم 17 أيلول (سبتمبر) وهو يتحدث عبر كاميرا إلى جمهور على الإنترنت، متوسلاً الناس للخروج والتصويت لصالح حزبه الحاكم، الليكود، قبل فوات الأوان. وقال لمشاهديه: “كل المعارك التي خضتها كجندي في وحدة النخبة، وكل المعارك التي خاضتها ضد رئيس الولايات المتحدة (باراك أوباما)، وكل معاركي الأخرى في الكونغرس وفي الأمم المتحدة -لقد فعلت ذلك من أجلك. والآن أطلب منك شيئاً صغيراً. اذهب إلى مركز الاقتراع. إنه على بعد خمس دقائق فقط سيراً على الأقدام”.
    وبينما كان يتملق جمهوره ويتوسل إليه، أصبح صوته أجش وأكثر غلظة باطراد. تلقى مكالمات هاتفية من أنصاره. ووقف بين الفينة والأخرى ليومئ إلى خريطة للشرق الأوسط على الحائط، مشيراً إلى خطر إيران. وعند إحدى النقاط، عرض بطريقة ساخرة دمى لمنافسيه. وكان ذلك أداءً بارعاً، وغرائبياً أحياناً، لرئيس وزراء متعثر محاصر، يحاول بطريقة محمومة كسب كل صوت أخير ممكن. ولأول مرة منذ أكثر من عقد، كان يحدق في الهزيمة. وبينما شرعت النتائج في الظهور، أكدت أنه فشل. سوف يفتقر حزب الليكود ومجموعة الأحزاب اليمينية والأحزاب الدينية التي تدعمه إلى تحقيق أغلبية في الكنيست الجديد.
    في 30 أيار (مايو)؛ أي بعد سبعة أسابيع من الانتخابات السابقة، اتخذ السيد نتنياهو الخطوة غير المسبوقة المتمثلة في حل الكنيست من أجل الدعوة إلى إجراء انتخابات ثانية، لأنه قصّر بمقعد واحد فقط عن تحقيق أغلبية في البرلمان المؤلف من 120 مقعداً. والآن أصبح مقصّراً عن اللأغلبية بستة مقاعد.
    وقد ألقى في الحملة بكل شيء على خصومه. اتهمهم بالسلوك الخائن. وقام بتلطيخ سمعة مواطني إسرائيل العرب بمزاعم عن تزوير الناخبين والأصوات (علق “فيسبوك” لفترة وجيزة خدمة الدردشة في صفحته بعد رسالة اتهم فيها العرب بالرغبة في “تدميرنا جميعاً”). ووعد قاعدته اليمينية بأنه سيقوم بضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة. وحاول تجنيد قادة العالم الآخرين، بمن فيهم دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، لتأييده. لكن هذا كله لم يكن كافياً هذه المرة. يبدو أن الرجل الذي أُطلق عليه لقب “الساحر” لأنه كان يتحدى كل المنتناقضات ويحقق انتصارات انتخابية غير مرجحة، قد نفذ من الحيل.
    في هذه الانتخابات، صوت حوالي 54 % من الناخبين في إسرائيل، الذين ينتمون إلى طيف يمتد من الشيوعيين العرب إلى القوميين اليهود، لصالح الأحزاب المعارِضة لنتنياهو. وكان بعضهم يمينيين يؤيدون العديد من سياسات السيد نتنياهو، لكنهم رفضوا التصويت لصالح الليكود أو أي من حلفائه. كان هذا رفضاً شخصياً.
    من المفارقات التي شهدتها هذه الانتخابات أن تكون إحدى الدوائر الانتخابية الرئيسية التي ساعدت على إسقاطه هي الدائرة العربية، التي كان قد حاول ردعها عن التصويت بقانون -فشل في المرور- والذي كان من شأنه أن يسمح لمسؤولي الحزب بتصوير الناخبين العرب بالكاميرات في مراكز الاقتراع. وقد ارتفع عدد الناخبين العرب الذين شاركوا في الاقتراع هذه المرة بنحو عشر نقاط مئوية. وفازت قائمتهم المشتركة بثلاثة مقاعد إضافية.
    لم يضطر السيد نتنياهو إلى التنازل والتسلم بعد. سوف يظل في منصبه كرئيس وزراء مؤقت إلى أن تؤدي الحكومة الجديدة اليمين الدستورية. وقد يستغرق ذلك ما يصل إلى ستة أسابيع. ويفتقر بيني غانتز، الجنرال السابق الذي يقود حزب “أزرق-أبيض” الوسطي، وهو الآن أكبر حزب في الكنيست بهامش ضيق، إلى تحقيق أغلبية أيضاً. ولا يتقاسم خصوم نتنياهو المتنوعون أرضية مشتركة كافية لتشكيل حكومة ائتلافية خاصة بهم. ويرفض الكثير من الإسرائيليين اعتبار الأحزاب العربية شركاء شرعيين في الائتلاف، على الرغم من أن عدداً متزايداً من الناخبين العرب يرغبون في لعب دور أكبر.
    وهكذا، تبدو السياسة الإسرائيلية عالقة في طريق مسدود من جديد. لكن هناك سابقة لحل اللغز. في العام 1984، لم يتمكن لليكود ولا منافسه الرئيسي، حزب العمل، من تشكيل ائتلاف حاكم. وبدلاً من ذلك، اتفقا على تشكيل حكومة وحدة وطنية، مع “التناوب” بين زعيم حزب العمل، شمعون بيريز، وإسحق شامير من حزب الليكود، حيث وافق كل منهما على الخدمة لعامين من ولاية رئيس الوزراء.
    وقد يعمل هذا مرة أخرى. فحزبا الليكود وأزرق-أبيض متساويان تقريباً في حصيلتهما من المقاعد. وهما يشكلان معاً أغلبية، والتي يمكن تقويتها من خلال انضمام اثنين من الأحزاب الأخرى إلى هذا التحالف. ومع أن السيد غانتز متمرس في الشؤون العسكرية، حيث قاد جيش إسرائيل في وقت من الأوقات، فإنه يظل مبتدئاً كسياسي. ويمكنه أن يستفيد من العمل مع السيد نتنياهو.
    لكن هناك عقبات كثيرة ستظل قائمة في الطريق. ففي الثاني من تشرين الأول (أكتوبر)، يواجه السيد نتنياهو جلسة استماع قبل المحاكمة أمام المدعي العام، والتي قد تسفر عن توجيه اتهامات جنائية إليه، والتي تتعلق بالرشوة والاحتيال. وقد وعد السيد غانتز بعدم العمل تحت قيادة رئيس وزراء مُتهم. ومع ذلك، يأمل نتنياهو في أن يتمكن من حماية نفسه من الملاحقة من خلال التشبث بالمنصب. ولو أنه تمكن من الفوز بأغلبية ضيقة في هذه الانتخابات، لكان قد حاول إصدار قانون يكفل له الحصانة. لكن هذا الاحتمال يتلاشى الآن.
    ثمة عقبة ثالثة تقف أمام تشكيل حكومة وحدة وطنية، والمتمثلة في وزير الدفاع السابق، أفيغدور ليبرمان، المتشدد الذي انفصل حزبه، “إسرائيل بيتنا”، العام الماضي عن ائتلاف نتنياهو. وهو يرفض الآن دعم أي مرشح لمنصب رئيس الوزراء لا يقدم وعداً بتمرير مجموعة من القوانين التي من شأنها أن تغضب الأحزاب الدينية، التي هي أقرب حلفاء السيد نتنياهو. ومن بين هذه القوانين واحد سيكون من شأنه فرض تجنيد طلاب المدارس الدينية في الجيش. وسوف يُجبر قانون ثانٍ المدارس الدينية الأرثوذكسية المتطرفة على تدريس المنهاج الوطني أو فقدان التمويل الحكومي. وثمة آخر يلغي الحظر المفروض على فتح المتاجر يوم السبت، يوم الراحة اليهودي المقدس. وباعتباره الشخص الذي كان معرفاً بتشويهه سمعة المواطنين العرب الإسرائيليين، يمكن أن يُعزى الفضل للسيد ليبرمان في إسقاط نتنياهو. وبالإضافة إلى أنه يتصرف كصانع ملوك، فإنه يريد أن يثبت نفسه كبطل للإسرائيليين العلمانيين الذين يشتكون من النفوذ المفرط للحاخامات في السياسة.
    لكن السيد نتنياهو ليس ذاهباً إلى أي مكان بعد. وعلى الرغم من أنه فقد أغلبيته مرتين هذا العام، وما يزال يواجه احتمال لوائح اتهام، فإنه سيحاول إعاقة أي محاولة لتشكيل ائتلاف من دونه. وما يزال عليه أن يدرك بعد أنه لم يعد ذلك الساحر.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Second time unlucky: Israel’s prime minister will desperately struggle to stay in office

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock