أفكار ومواقف

حفلات المكياج في عمّان

يقف رئيس الوزراء عند مجموعة شبابية توزع التمور والماء قبيل الإفطار، ويتم تصوير الرئيس، ويتعرض الرئيس إلى نقد هائل بعد القصة، برغم أنها مجرد لفتة من مسؤول في شهر رمضان، تتقصد رسم صورة متواضعة للرئيس.
أمين عام يقف قبيل الإفطار ويقوم بإطلاق مدفع رمضان، ويتم تصويره أيضا، ويتعرض الأمين إلى نقد هائل، برغم أنه يريد أن يرسم صورة تقول إنه يشارك أهل العاصمة طقسا قديما جديدا له ذكرياته، وتتقصد اللفتة تحسين شعبية الأمين.
رئيس بلدية الكرك، يعود إلى ذات الموقع الذي أغدق فيه دلاله سابقا على السياح الإسرائيليين ويقوم برفع الأذان، ولا تعرف ما هي الغاية أيضا، هل يريد طرد الجن من الموقع أم تطهيره، أو القول إن الإسلام غالب على كل شيء غيره، وتحسين سمعته أيضا بعد الهجمة التي تعرض إليها إثر فعلته مع الإسرائيليين.
هذه ثلاثة نماذج للفتات جرت مؤخرا، وكلها تعرضت إلى نقد هائل، إذ لم يعد يتأثر الناس كثيرا بصناعة الصورة ، وهي فن بحد ذاته، ونحن اليوم، امام شعب غير عاطفي، لم يعد يصفق لأحد، ولم يعد يهلل لأي مسؤول مهما فعل، والواضح أن الرأي العام يعتبر أن كل هذه مجرد حملات لتحسين السمعة ورفع الشعبية، وتخفي خلفها تقصيرا أهم في مجالات عمل كل مسؤول، وبحيث يتغطى المسؤول بهذه اللفتات بدلا من الإنجازات، أو تحسين ظروف الحياة أو الخدمات.
قبل سنين طويلة كانت صناعة الصورة تجري عبر مستشارين في مؤسسات مختلفة، أو حتى عبر شركات العلاقات العامة التي تخطط للفتة وتأثيرها وجمهورها المستهدف، وكانت صناعة الصورة لأي مسؤول تترك أثرا عظيما، والسبب أن الوضع العام كان جيدا إلى حد ما، ولم يكن الناس يشكون من التراجعات التي نراها اليوم، وبهذا المعنى كان الناس، يقبلون هذه اللفتات، ويحسبونها في رصيد أي مسؤول، لأن المؤسسات تسير بشكل جيد، فلماذا لا يكون المسؤول قريبا من الناس، ولماذا ينتقدونه أساسا، او ينتقصون الصورة الشعبية أو الإنسانية التي ظهر بها؟!
اليوم، تقرأ الرأي العام، وتكتشف أن الناس، وكأنها تلقت مطاعيم خاصة ضد كل هذه اللفتات الشعبية، والسبب بسيط، فالمواطن لا تهتز مشاعره، أمام صورة لمسؤول وهو يوزع مثلا طعام الإفطار، لأن المواطن ذاته يقول إن الأجدى ألا يكون هناك أي محتاج يتم توزيع الطعام المجاني عليه، والمواطن ذاته لم يعد يقبل من أي رئيس حكومة أن يبيع صورة وقوفه عند حادث سير لإنقاذ جرحى، إذ إن الصورة على أهميتها، تفتح بابا آخر، فلماذا يكون الطريق الصحراوي مثلا، حيث وقع الحادث، خربا ومدمرا، وأين مسؤولية الحكومة في ترك الشارع غير مصان؟ وهكذا باتت كل صورة وكل لفتة، قابلة للقراءة بالاتجاهين، ولم تعد صناعة الصورة مضمونة النتائج في ظل تشكيك الناس واعتبارهم أن هذه كلها مجرد حفلات علاقات عامة، تخفي المشاكل الأساسية، أو تحاول التخفيف من حدة الاحتقان العام.
بهذا المعنى، ودون بث الإحباط في نفس أي مسؤول يريد التقرب من الناس، فإن هذه الحالة، أي تصنيع الصورة، لن تترك أثرا، ما لم يتنبه المسؤولون إلى الذهنية الجديدة للناس، وإلى نقدهم الحاد لغياب كثير من الأشياء. ونعطيكم مثلا هنا، فوزير الصحة، في أي حكومة، قد يستجيب لمناشدة مواطن بالعلاج، والناس لن يصفقوا للوزير، وسيقولون لماذا لم يحصل المواطن على حقه في العلاج، أساسا، دون توسل ورجاء، وماذا عن الذين لا يجيدون فن الاستغاثات، فمن ينقذهم ويصل إليهم؟!
بالنسبة لي شخصيا، أنا أؤيد قرب المسؤول من الناس، شريطة ألا يكون مجرد صناعة غايتها رفع الشعبية أو تحسين السمعة، لكن الأهم هنا، ان يعرف كل مسؤول ان القصة ليست قصة انتقاص للمسؤول مهما فعل، بل قصة النقد الشعبي الأعمق، لغياب كثير من الحقوق والخدمات، خصوصا أن صناعة اللفتات أو الصورة، تتم أيضا بطريقة غير حرفية حين لا يصل سحرها إلى كل الجمهور، وتبقى المشكلة كامنة، وقائمة، ولا تغيير جذريا على نمط الحياة.
نريد المزيد من اللفتات والتواصل مع الناس، شريطة تعبيرها عن تحول فعلي في السياسات، وليس تعبيرا عن حفلة مكياج لاعتبارات مؤقتة. هذه هي كل القصة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock