من المفهوم أن يخرج الناس عن أطوارهم بسبب الأزمة الراهنة، التي طالت الأخضر واليابس في نفوسنا وأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. لكن أن تكون في موقع مسؤولية ما ومكانة اعتبارية ما، وتستغل حالة الضعف والخوف والقلق، لتمارس هواياتك الغريبة في تعذيب الآخرين، وترويع نفوسهم، فهذا أمر لا ينم إلا عن التنمر وخلل في النوايا مخبئ في تلابيب التصريحات الخداعة!
غير مسموح بالمرة أن يعتقد أي كان بأنه معصوم عن المصائب والمآسي، التي يعتقد أنها حكر على المساكين وقليلي الحيلة، من أصحاب الأشغال والوظائف الحرة أو المرتبطة بمؤسسات خاصة، محتكمة لنظم داخلية أقل ما توصف به هو الجبن واللؤم والغطرسة و..الطبقية!
في أوقات الأزمات العامة من المفترض أن تلك التشريعات والأنظمة الداخلية تذوب داخل الأوامر الإنسانية أولا، والأحكام العامة ثانيا. فمن غير المعقول أن تطبق المدارس الخاصة مثلا قوانين بعينها في ظل أزمة “كورونا”، وتتجاهل قوانين أخرى حسب ما تقتضيه مصلحتها المالية والإدارية الصماء، وهي في الأصل كانت تفعل الشيء ذاته مع موظفيها ومعلميها وإدارييها طوال السنة لكن من دون ضجة مصاحبة، ولو كانت الضجة موجودة فهي لا تتعدى الزوبعة داخل الفنجان!
فمنذ اختراع ما يسمى نقابة أصحاب المدارس الخاصة، والمعلمات والمعلمون على وجه الخصوص في حروب مكشوفة وأخرى ملفوفة مع نقابة تمثل أصحاب مصالح خاصة جدا، تنحصر للأسف الشديد في كيفية استيفاء الأموال ورفع الأقساط وحرمان الموظفين من العقود السليمة واستغلال الأهالي، وتفنيد أي تهمة توجه إليهم مباشرة أو عن طريق نقيبهم.
لم يوفق سعادة النقيب في ردوده المتسرعة والانفعالية على المعلمة التي مثلت حراك “قم مع المعلم”، كما هي عادته في تصريحاته السابقة عبر الأعوام القليلة الفائتة. فهو خير ممثل لأصحاب المدارس الخاصة والذي يعرف كيف يذود عنهم، في اللقاءات الإذاعية الصباحية أو المنشورة عبر المواقع، والتي كان يسمعها أو يقرؤها بضع مئات أو آلاف من المتلقين في الأردن.
لكنه لم يحسب حسابا لملايين الناس الجالسين، سواء أمام شاشة التلفاز، أو مواقع التواصل بسبب طيلة فترة الحجر، والراصدين بكل دقة أي حركة أو كلمة تصدر من هنا أو عن هناك. فلعله اليوم متفاجئ من حجم الغضب الشعبي، ولربما الرسمي، من أسلوبه غير اللائق مع معلمة محترمة في قمة هدوئها ورباطة جأشها. لم تهتز للحظة أمام اتهاماته غير المقبولة، ولم تعلق على عباراته الخارجة عن السياقين العلمي والمهني في الحوار. لم يحسب سعادة النائب أن كل ما بناه طوال السنوات الماضية من سد طويل وعريض، ما بين العملية التعليمية في القطاع الخاص، ومجتمع المعلمين والأهالي، قد انهار في بضع دقائق، بسبب تمسكه المريب بطريقة حديثه واتهاماته للآخرين. وأعتقد جازمة بأن أعضاء النقابة أنفسهم سوف يعيدون النظر في من يمثلهم بعد اليوم.
عبارة “الحقد الطبقي” يا سيدي انتهت أيام رواية “رد قلبي” للكاتب يوسف السباعي. واليوم حلت مكانها عبارات جديدة كلها بلا استثناء لا تتلاءم وعلاقة المعلم مع المؤسسة التي يعمل بها، والتي ورغم بعض المنغصات المادية والإدارية واللوجستية، هي علاقة قائمة على ذكريات جميلة وأصوات وصور خاصة جدا كلما لاحت على باله يبتسم ابتسامة لا يعرفها إلا من مارس تلك المهنة عن حب ووفاء.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock