أفكار ومواقف

حقك تعرف!

تبدو الساحة المحلية عصية على إنجاز يعيد الوئام بين الشارع والحكومة. فجوة الثقة تزداد اتساعا، ولا شيء يمكن أن يردمها في مثل هذه الظروف التي يبدو كل طرف فيها يزداد بعدا عن الآخر.
الحكومة تقول إنها تعمل ضمن رؤية واضحة لتحسين أرقام الاقتصاد، خصوصا ما يتعلق منها بالمديونية ورفع أرقام النمو وإعطاء التشغيل أولوية لخفض أرقام البطالة التي يعاني منها قطاع كبير من المواطنين، خصوصا من فئة الشباب.
تبدو الرؤية التي تعمل عليها الحكومة مهمة للبلد، ولا يمكن لأحد أن يعارضها في أي جزئية منها. ولا يمكن القول إن الحكومة غير جادة في هذا السياق، ولكن بالتأكيد تبقى أدواتها غير فعالة، إضافة إلى بطء عام تتسم به حركتها، بحيث إن أي إنجاز، مهما كان مهما، فمروره بكثير من العقبات والتلكؤ والعثرات يقتله، ولا يجعله واضحا للشارع.
لكن على أرض الواقع، ثمة معاناة كبيرة لا يمكن التغاضي عنها. ثمة فقر كبير وصل إلى حد الجوع لدى شريحة كبيرة من المواطنين. البطالة نخرت في معظم العائلات، فأوقفت عجلة الإنتاج، والأخطر أنها عطلت أحلام الشباب الذين توقفوا عن الطموح، ولم يعد لديهم من حلم سوى الهجرة، وهو خيار لم يطلبوه ولا كانوا يودون الارتهان إليه، بل فرض عليهم أن يفكروا فيه ليل نهار، رغم أن الأبواب ليست مفتوحة أمامهم باتجاه البلدان الأخرى التي يمكن أن يؤسسوا فيها حياة كريمة!
على صعيد الخدمات، يعيش المواطن حالا مزرية جدا، فتردي البنى التحتية، وعدم توفر شبكة حقيقية للخدمات العامة، تزيد من معاناة المواطن. في قطاع الصحة تبدو الخدمات متردية جدا، أما التعليم، فقد هجر المواطن المدارس الحكومية، وبات يدفع معظم دخله على تعليم أبنائه في القطاع الخاص، بعدما قادت أمور كثيرة إلى تدمير التعليم الرسمي بدخول “المقاولين” إلى قطاع يتوجب أن يكون ملفا حصريا في يد الدولة.
سوء شبكة النقل العام أو غيابها، يذهب بجزء كبير من دخول الأسر، كما أنه يسهم في إفقار كثير منها، خصوصا أن معظم الموظفين يعتمدون إما مركباتهم الخاصة أو التكسي للتنقل من وإلى العمل. وقد بينت دراسة للبنك الدولي منذ أعوام قليلة أن كثيرين فضلوا ترك أعمالهم ووظائفهم بسبب سوء شبكة النقل العام، وعدم قدرتهم على اعتماد التكسي، ما زاد من معاناتهم.
على صعيد الحريات، يتسرب إحساس أن المعادلة الأمنية اختلفت كثيرا مؤخرا. فقد بات التوقيف يطال كثيرا من النشطاء الذين اعتادوا التعبير عن آرائهم السياسية بأريحية في مراحل سابقة. النشطاء التقليديون، أيضا، يدينون ارتفاع سقوف بعض الحراكات، وهم لا يوافقون على هذا النهج الذين يرون فيه خرقا للتوافقات الكثيرة التي استتبت على مدى الأعوام الماضية، ولكن التوسع في توقيف الناشطين وفي إسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح ينظرون إليه على أنه تدشين لمرحلة جديدة تنوي فيها الدولة التكشير عن أنيابها.
وسط كل المصاعب، لا تصنع الحكومة شيئا مهما لتطمين المواطن، بل هي ماضية في خطابها “التوفيقي” الناعم، والذي يبدو في كثير من الأحيان منفصلا عن الواقع، ولا يعبر عنه بشكل حقيقي.
لذلك، فمن البديهي أن نقول: حقك تعرف أن الأمور تتجه إلى مزيد من اتساع الهوة بين الحكومة والشارع، وإلى مزيد من التأزيم!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock