صحافة عبرية

حقل الألغام الاستراتيجي.. تشخيص وتوصيات للسياسة

هآرتس
عاموس جلعاد
20/9/2022

الأسابيع القريبة حتى الانتخابات، وقبلها أعياد تشري تنطوي على احتمال تفجر بسبب تراكم سياقات وأحداث عدة: استمرار التصعيد الأمني في المناطق ولا سيما في شمال الضفة، والذي يوجد في ميل تفاقم؛ التوقع لبدء إنتاج الغاز في طوافة كريش، حيث في الخلفية تهديدات نصرالله؛ التدهور الأمني الذي قد ينشأ حول الحرم في أثناء أعياد تشري التي يمكنها أن تؤثر على بؤر أخرى في الساحة الفلسطينية وكذا على الساحة الداخلية في إسرائيل. بالتوازي بغياب اتفاق، تواصل إيران التقدم في برامجها النووية وتمسك في أيديها الكرة لمواصلة المفاوضات. في نظرة أوسع، هجوم أوكراني مضاد قد يجبر بوتين على تصعيد الرد العسكري.
ارتفاع درجة التوتر في المناطق في أعقاب سلسلة العمليات والأحداث في الأسابيع الأخيرة، ولا سيما في شمال الضفة، في مدينتي جنين ونابلس، يظهر ارتفاعا بدرجة بدأت منذ منتصف السنة في المناطق. هذا التصعيد ينبع من ثلاثة عناصر: الضعف الذي يبديه الحكم الفلسطيني الذي إما يصعب عليه أو لا يظهر حافزا لفرض إمرته في قسم من المناطق؛ جسارة الشباب الفلسطيني؛ وكذا تصعيد الجهد الأمني الإسرائيلي الذي يؤدي الى تعظيم الاحتكاكات على المستوى الميداني ويجسد عجز أجهزة الأمن الفلسطينية.
يجدر التشديد على أن ضعف الحكم الفلسطيني ليس فقط نتيجة خطوات إسرائيل، بل وأيضا في مزايا الحكم في رام الله (الفساد، الاغتراب العميق عن الجمهور والشلل السياسي المتواصل). في الخلفية، صخب السلطة تجاه إسرائيل وتجاه إدارة بايدن على عدم قدرتها على إقناع إسرائيل بتغيير سلوكها. وذلك أساسا بالنسبة لأعمال الجيش الإسرائيلي والاقتصادات المالية وكذا ضغوط الإدارة كي توقف السلطة أعمالها في الأمم المتحدة، الى جانب خيبة الأمل من زيارة الرئيس بايدن لعدم إعطائها أي نتائج للفلسطينيين. ووجد الأمر تعبيره في اللقاءات المتوترة بين نائبة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط بربارة ليف وحقيقة أن أبو مازن رفض لقاءها.
وبالنسبة للتوتر بسبب طوافة كريش، فإن ساحة مركزية قد تشتعل تقريبا تتعلق بالمفاوضات على ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، وذلك في أعقاب تحذيرات نصرالله بأن حزب الله لن يتردد في الدفاع عن حقوق لبنان إذا ما بدأت إسرائيل بإنتاج الغاز دون اتفاق.
رغم التقدم في المفاوضات التي يديرها الوسيط الأميركي نشر في “العربية” مخطط محتمل لحل وسط تتخلى فيه إسرائيل للبنان عن السيادة على حقل قانا مقابل مردودات من شركة إنرجين التي هي نفسها أعلنت عن أنها ستبدأ بإنتاج الغاز في الأسابيع المقبلة.
رغم مصلحة كل الأطراف ذات الصلة بالاتفاق على توزيع الأرباح، يبدو أن الكرة بقدر كبير هي في يد حزب الله. فهو يستغل النزاع كي يحسن صورته ويخرج كاسبا في كل سيناريو. سواء تحقق اتفاق تخلت فيه إسرائيل عن حقل قانا أو اضطرت لأن تؤجل إنتاج الغاز، فإن نصرالله سيعرف ذلك كتراجع إسرائيلي أمام قوة التنظيم.
يحتمل أن يكون نصرالله يقدر بأن إسرائيل ستمتنع في فترة الأعياد وقبل الانتخابات والتوتر في المناطق عن خطوات من جانب واحد قد تؤدي الى ضعضعة الاستقرار، ولهذا فهو يسمح لنفسه برفع مستوى المراهنة. تنطوي هذه الإمكانية على خطر سوء التقدير من جانب نصرالله لشدة الرد الإسرائيلي.
على أي حال، يبدو أن التدخل الأميركي المتزايد في الأزمة الى جانب مصالح دولية ثقيلة الوزن للاعبين الإقليميين ستؤدي في نهاية المطاف الى بلورة اتفاق. ومع ذلك يحتمل أن يتأجل موعد التوقيع على الاتفاق، وبالتالي بدء إنتاج الغاز بسبب الصعوبة في بلورة اتفاق في هذه الفترة قبل الانتخابات في إسرائيل وفي لبنان.
وبشأن النووي الإيراني، فإن الاتفاق بين إيران والقوى العظمى الذي يوشك على الاكتمال علق مرة أخرى في طريق مسدود في أعقاب الرد الإيراني على العرض الأخير وفي أساسه المطالبة بإغلاق تحقيقات الوكالة الدولة المفتوحة ضدها المتعلقة ببقايا يورانيوم في ثلاثة مواقع. ردا على ذلك، أعربت محافل أميركية وأوروبية عن تشاؤمها من إمكانية الاتفاق قريبا. وذلك في ضوء مصاعب جمة لدى القوى العظمى للاستجابة للطلب الإيراني؛ إذ إن معناه انهيار مبادئ نظام NPT، ولا سيما في فترة تتحدى فيها روسيا وكوريا الشمالية مبادئ الميثاق.
يؤكد الرد الإيراني المعضلة هل هذا تكتيك مساومة إيراني لانتزاع المزيد من الإنجازات أم أن إيران غير معنية بالاتفاق تخوفا من انسحاب أميركي متجدد منه لاحقا. فضلا عن ذلك، يؤكد الموقف الإيراني أن التقدم في يدها وهي لم تحسم بعد؛ إذ إن القوى العظمى لا تمارس ضغطا حقيقيا وتهديدا ملموسا عليها يجبرها على إعادة التفكير وتغيير سلوكها بعامة وفي المفاوضات بخاصة.
الموقف الغربي يخدم عمليا إيران ويسمح لها بمواصلة المناورة. فهي من جهة لا تحطم الأواني في المفاوضات، ومن جهة أخرى تواصل العمل على مشروع نووي والتقدم فيه بلا قيود. فقد حققت إيران حتى الآن 55.6 كيلوغرام يورانيوم مخصب بمستوى 60 %. ويجسد التقرير عمليا الخطر في مواصلة مراوحة المفاوضات في المكان؛ إذ إنه من دون اتفاق جديد واستئناف الرقابة وطالما لا يوجد تهديد ملموس على إيران، فإنها ستواصل بلا عراقيل تقريبا التقدم نحو تحقيق قدرات حافة النووي.
وفي موضوع أوكرانيا، فقد نجح الجيش الأوكراني في هجوم مضاد في منطقة خاركوف. وهذا هو النجاح الأكبر منذ الهجوم الروسي. ورغم ذلك ما تزال نهاية الحرب بعيدة. يحتمل أن يشجع هذا على مزيد من التقدم العسكري، ومع ذلك فإنه كلما ازداد التخوف في موسكو من انعطافة في المعركة فقد يقرر الرئيس بوتين استخدام وسائل أكثر تطرفا لوقف التدهور وفقدان المزيد من المناطق. تعبير عن ذلك جاء في هجمة الصواريخ الروسية على محطة توليد الطاقة في شرق أوكرانيا مما أدى الى توقفات طويلة للكهرباء.
وبالنسبة للمجتمع العربي في إسرائيل، فهو الآخر يتميز بأجواء مشحونة، سواء باستمرار أحداث الجريمة والعنف وانعدام الحوكمة وتعمق اليأس لدى الجمهور العربي من الساحة السياسية الذي قد يجد تعبيره في تبني نسبة التصويت في الانتخابات. حتى الانتخابات قد يتعاظم التفجر على خلفية التوتر حول الحرم. وبعد الانتخابات إذا ما كانت نسبة التمثيل العربي متدنية سيتعمق التوتر بين الجمهور العربي ومؤسسات الدولة والجمهور اليهودي.
وتجاه كل هذه القضايا نوصي بالآتي:
أعتقد أنه مطلوب سياسة عاقلة قبيل الأعياد وخطر اشتعال العنف في المناطق في أساسها أعمال لحفظ الهدوء في منطقة الحرم.
كل ذلك الى جانب الأعمال المركزة ضد شبكات حماس في الضفة في محاولة لمنع انتقال أعمال العنف الى كل الضفة. على الحكومة أن تعمل على استقرار المنظومة الاقتصادية الفلسطينية وحفظ التنسيق الأمني والمدني مع السلطة ونقل رسائل تحذير لحماس للامتناع عن خطوات قد تهيج المنطقة في هذه الفترة الحساسة.
في الجانب الإيراني، على إسرائيل أن تواصل الحفاظ على التنسيق الاستراتيجي الوثيق مع الولايات المتحدة على المستويين السياسي والأمني العسكري مع الحرص على الحوار الحميم والامتناع عن الخلاف العلني مع الإدارة. وإلى جانب ذلك، على إسرائيل أن تعمل على بناء قوة لتثبيت قدرات عسكرية للتصدي للتهديد النووي. الى جانب استمرار العمل على التضييق على التموضع الإيراني في المنطقة.
على إسرائيل أن تسعى الى استكمال الاتفاق بوساطة أميركية على ترسيم الحدود البحرية مع لبنان وتوزيع أرباح الغاز. على إسرائيل أن تظهر تصميما على البدء بإنتاج الغاز مع استعداد لتأجيل مؤقت حتى استكمال الصفقة. في كل الأحوال، على إسرائيل ألا تظهر كمن ردعتها تهديدات حزب الله مما سيشجع التنظيم على تحدي إسرائيل في مسائل أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock