ضيوف الغد

حقوق المرأة بين النظرة الرعائية والحقوقية

د. نهلا عبدالقادر المومني

على الصعيد الدولي وفي البدايات الأولى لم ينطلق الدفاع عن حقوق المرأة وفكرة مساواتها في الحقوق من الإطار الحقوقي البحت وإنما انطلق من مفهوم الرعاية والحماية، بدا ذلك واضحًا من خلال الاتفاقيتين اللتين تبنتهما منظمة العمل الدولية العام 1919 والمتعلقتين بحماية الأمومة واتفاقية العمل الليلي للمرأة؛ حيث قامت هاتان الاتفاقيتان على فكرة منح المرأة حماية خاصة.
إلا أنّ النقلة النوعية بتكريس وتقنين حقوق المرأة كانت من خلال ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي أكد مبدأ المساواة في الكرامة والحقوق، ولاحقًا جاء العهدان؛ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واللذان نصا على أن تتعهد الدول الأطراف بكفالة تساوي الرجال والنساء في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن ثم جاءت اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة لتشكل مع العهدين السابقين منظومة قانونية دولية تهدف للقضاء على أي تفرقة أو استبعاد أو تمييز يكون من آثاره أو أغراضه إحباط الاعتراف للمرأة بالحقوق في الميادين كافة.
صادق الأردنّ على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة العام 1992م، ونشرها في الجريدة الرسمية العام 2007 م؛ مما يعني أنها أصبحت جزءًا من المنظومة القانونية الأردنية الوطنية ويقع في المقابل التزام على الدولة باتخاذ الإجراءات اللازمة لإعمال الحقوق الواردة فيها وحمايتها وتمكين الأفراد منها وبشكل خاص تعديل ومواءمة التشريعات الوطنية بما ينسجم واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة.
وفي هذا السياق وبالرغم من التطورات العديدة في مجال حقوق المرأة في الأردن، ما زلنا نصطدم ببعض التشريعات التي تنطوي على نصوص تمييزية ضد المرأة أبرزها نظام الخدمة المدنية والذي يمنح الموظف المتزوج علاوة عائلية شهرية بما في ذلك الموظف الأرمل والمطلق إذا كان له أولاد لا تزيد أعمارهم على (18) سنة. في حين أن النظام ذاته ينص على أن لا تدفع هذه العلاوة العائلية للمرأة إلا بشروط ومحددات خاصة تتمثل بأن يكون زوجها مقعداً أو أن تكون معيلة لأولادها أو مطلقة لا تتقاضى نفقة شرعية عن أولادها وكانت أعمارهم لا تزيد على (18) سنة.
في الوقت الذي يتجاوز فيه العالم المفهوم الرعائي والحمائي في نظرته للمرأة منطلقا نحو النظرة الحقوقية في التعامل مع حقوقها التي لا تُمنح وإنما يُكشف عنها بالنصوص القانونية، ما زال نص المادة المتعلق بالعلاوة العائلية في نظام الخدمة المدنية ينطلق من مفهوم رعائي للمرأة لا يعترف بدورها في الأسرة كعاملة ومعيلة، لا بل إنّ النص ذاته ينطوي على مخالفة الدستور الذي يمثل قمة الهرم التشريعي في المنظومة القانونية الأردنية وتحديدًا نص المادة السادسة والتي أرست مبدأ قانونيًا راسخًا؛ فالأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.
إذًا وفي ظل حكم الدستور لا بدّ من مراجعة متأنية وعميقة لنظام الخدمة المدنية وللتشريعات جميعها ذات العلاقة بحقوق المرأة بما يضمن احترام المبادئ الجوهرية في دولة الحق والقانون وفي مقدمتها مبدأ المساواة.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock