أفكار ومواقف

حقوق وواجبات

 ليست الحكومة وحدها معنية بمراعاة ظروف العاملين فيها، فالقطاع الخاص مطالب بواجب إلزامي ايضا بمتابعة الظروف المعيشية لموظفيه، بحيث تبقى الرواتب والاجور كافية لتأمين حياة كريمة لعائلات هؤلاء. والامر لم يعد ترفا او مطلبا ثانويا بل اساسيا، بسبب تنامي دور القطاع الخاص واتساع دوره.


وعندما تقوم الدولة، من خلال مكرمة ملكية، بمنح موظفي ومتقاعدي اجهزتها، بمن فيهم متقاعدوها في الضمان الاجتماعي، مبلغا ماليا، فإن هذا تمرين بالذخيرة الحية على مدى تفاعل القطاع الخاص مع مطالب العاملين فيه وظرفهم. وإذا كانت هناك شركات تبدي تفاعلا مع ظروف العاملين فيها، عبر المبادرة إلى الاقتداء بالمكرمة الملكية، فإن الكثير الكثير من مؤسساتنا الخاصة تدير ظهرها، وهي تعلم ان الموظف يحتاج الى كل عون. كما ان اي مبلغ يعطى للموظف يزيد من دافعيته وعلاقته مع شركته ومؤسسته.


وعلى رأس المؤسسات هناك مؤسسة الضمان الاجتماعي التي لم تبادر تجاه متقاعديها، وبخاصة اصحاب الدخول الصغيرة! فلا زيادة على الرواتب، ولا مبادرات في ظل ارتفاع الاسعار! ولولا ان الحكومة بادرت الى دفع مليوني دينار عن المتقاعدين من الضمان ممن تقاعدوا من مؤسسات الدولة، لما حصل هؤلاء على مكرمة جلالة الملك.


ولعل المؤسسات الاعلامية الخاصة، من صحف يومية واسبوعية، مطالبة ايضا بتقدير ظروف العاملين فيها. فبعض المؤسسات لا يتقاضى فيها الصحافي او الموظف زيادة على راتبه طيلة عدة سنوات، ودائما يكون مبرر الوضع المالي فقط على الموظف. ولهذا، فعلى الاعلام الذي يطالب بإصلاح العالم، ويقدم تنظيرا للتغيير في الدولة، وحتى دول العالم العربي، ويطالب الحكومات بالتعاطف مع الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، على هذا الاعلام وإداراته ان يتعاطف مع موظفيه الذين يعانون مثلما يعاني الجميع.


وبعيدا عن مكرمة الملك، فإن نسبة كبيرة من القطاع الخاص لا تبدو متعاطفة مع موظفيها. وما نتحدث عنه هنا هو تطوير مستوى دخل الموظف سنويا بما يتناسب مع غلاء الاسعار. وهنا تكون الخطوة الاولى بزيادة سنوية منتظمة على الراتب، بحيث لا يحتاج الموظف الى انتظار سنوات حتى يحصل على بضعة دنانير، او يحتاج الى واسطة مع المدير او رئيس مجلس الادارة ليحصل على زيادة لا يحصل عليها زملاؤه، وإذا حصل عليها اليوم لوجود الواسطة فقد يحرم منها لسنوات!


ولدينا في بعض القطاع الخاص تفاوت غير منطقي في الرواتب، حتى داخل المؤسسة الواحدة؛ ليس لأن وظائفها ابداعية، بل بسبب الفوضى. فكل قرار تعيين يحمل راتبا وامتيازات. وهنالك الصغار الذين تمارس بحقهم اعلى درجات التقشف، فيما بعض الكبار يسافر ويأخذ مياومات، او يقيم حفلات ومآدب بمبالغ كبيرة، او يغير اثاث مكتب المدير؛ وإذا ما طلب موظف زيادة على راتبه سالت دموع الإدارة وهي تشرح وضعها المالي الصعب.


مازالت نسبة كبيرة من الناس تفضل الوظيفة الرسمية حتى وان كان دخلها اقل من القطاع الخاص، لأن فيها الامان والاستقرار وغياب المزاجية؛ فإذا كانت له مثلا زيادة سنوية مقدارها 3 دنانير فإنه يحصل عليها، فضلا عن اسباب اخرى. لكن القطاع الخاص، وتحديدا الفردي منه، فإنه مهما بلغ من التوسع يبقى غير مريح. وحتى من عملوا في بعض مؤسسات القطاع الخاص الهامة، وبوظائف كبرى، لم تبتعد عنهم المعاناة، وبعضهم لم يحصل على زيادة طيلة عدة سنوات، وحين يطلبها فكأنه يستجدي المسؤول او يطلب منه ما ليس حقه!


اذا كنا نهدف الى توسيع دور القطاع الخاص في حياتنا الاقتصادية، فإن هناك الكثير من الواجبات التي على اصحاب رأس المال تقديمها، وهناك مؤسسية تفتقدها بعض المؤسسات والشركات، وهناك ظلم على صعيد الراتب والزيادة السنوية وغيرها من الحوافز، وهناك الامان الوظيفي؛ فليس معقولا ان تخرج من بيتك صباحا موظفا، وتعود الى اطفالك مفصولا، والآلية قرار المدير وكلمة “افصلوه” او “اكتبوا كتابه”.


هنالك الكثير مما يجب فعله حتى نصل الى مرحلة يكون فيها القطاع الخاص خيارا معقولا، وبخاصة لفئات العمال وأصحاب الدخول المحدودة. والامر ليس فقط عند نقابات العمال او وزارة العمل، بل لدى صاحب العمل الذي عليه ان يكون مظلة وليس تاجرا؛ فالربح يأتي لكن ليس على حساب حقوق العمال او التقشف بحقوقهم ومستوى معيشتهم، وصاحب المال الذي لا يصنع علاقة خاصة بين موظفيه وشركتهم يدفع من حيث لا يدري ثمنا يفوق زيادة سنوية او تكريما او رعاية.


[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock