صحافة عبرية

حق الصمت

معاريف


عينات وايزمن


عادت ابنتي الصغيرة من زيارة جديها قبل نحو شهرين بكتاب جديد كبير ما كانت تستطيع حمله بيديها الصغيرتين. وبدت لي سعيدة برسوم الكتاب “كلنا نولد أحرارا: إعلان حقوق الإنسان في صور” بل زادت على ذلك من تلقاء نفسها. وقد استمتعت على نحو خاص بتزيين “لا يوجد لأحد حق في أن يضر بنا أو يعذبنا” وبأن تزيد شخصيات أخرى إلى صورة “لكل واحد حق في حماية القانون”.


أمس (الأربعاء) لفت انتباهي نبأ صغير في موقع NRG: “ألغت وزارة التربية إعلان حقوق الإنسان”. وتبين أن بلدية أريئيل أرادت أن توزع على أطفال المستوطنة الصغار نسخة من كتاب صدر احتفاء بمرور ستين سنة على التوقيع على إعلان حقوق الإنسان الدولي، الذي صيغت فيه مواد الإعلان بلغة سهلة مقروءة تصحبها رسوم فنانين رواد من العالم كله. للأسف الشديد لن تنفذ هذه المبادرة المباركة ولن يستطيع أطفال الحضانة الإلزامية في أريئيل تحديث معلوماتهم ومعلومات آبائهم في شأن حقوق أساسية تتصل بكل إنسان. وذلك لأن المفتشات الحازمات المصممات من وزارة التربية وجدن شيئا مرفوضا في مادتين تبنتهما دول العالم لأنهما لا تلائمان قيم دولة إسرائيل. المادة الأولى التي وجد أنه ينبغي منع وصولها إلى الصغار، تقول بلغة كتاب الأطفال “لنا الحق جميعا في اعتقاد ما نختار، والانتماء إلى دين ما والتحول عنه كما نشاء”. العياذ بالله. بحسب رأي وزارة التربية، يبدو أنه ينبغي تعليم الأطفال أن واجبهم الايمان بما يقولون لهم فقط. وتقرر المادة الثانية التي رفضت: “إذا خفنا أن يمسوا بنا في أرضنا فلنا الحق في الهرب إلى بلد آخر لنعيش بأمن”. المرفوض هنا مرفوض لسببين: الأول أن جهاز التربية يعمل على نحو منهجي كي يجعل أطفال إسرائيل اليهود يستوعبون رسالة أنه لا يوجد لهم مكان يهربون إليه وأن واجبهم التضحية بأنفسهم للدفاع عن الوطن – فلماذا تبلبل أذهانهم بأنهم يستطيعون المغادرة؟ والثاني أن دولة اليهود لا ترغب في اللاجئين. في المدة الأخيرة فقط، قبيل عيد الفصح، بدأت بعملية “نظام ونظافة” كي تجتث الأجانب من داخلها. وإلى ذلك يشتمل الحق في الهرب من الدولة أيضا على الحق في العودة إليها، لكن في دولة سنت قانون العودة، لا يخطر حق العودة في الذهن.


تحقق مشروعان تأسيسيان للأمم المتحدة صدرا بين 1947 و 1948 تحققا كبيرا على اثر فظائع الحرب العالمية الثانية. الأول هو الاعتراف بدولة إسرائيل على أنها دولة الشعب اليهودي والثاني هو إعلان حقوق الإنسان. يرمي الإعلان إلى التعبير عن درس الإنسانية من الحرب. فالمطاردة التي تثير القشعريرة التي تمت بشكل ممنهج والأعمال الفظيعة التي حدثت على اثرها جعلت الأمم تتحد وراء الأفكار التي تحافظ على الفرد وتحميه من قوة الدولة الساحقة. وهذا الإعلان في واقع الأمر هو استمرار لاعلان حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية، لكن في حين انحصر هذا الأخير في الحقوق القومية يجعل الإعلان الحديث الفرد في المركز.


نموذج الضحية الذي اعتمده الذين صاغوا إعلان أمم العالم هو الضحية اليهودية التي طوردت في المحرقة. ويعبر كثير من مواد الإعلام عن تجربة اليهود المرة في زمن الحرب العالمية. وضمن ذلك أيضا مادة اللاجئين التي أوقعتها الدولة الآن تحت الرقابة. ومن الغريب أن أحد مشروعات الأمم المتحدة أتى يفسد المشروع الآخر. ترى دولة إسرائيل في السنين الأخيرة إعلان حقوق الإنسان تشويشا وعائقا يجب الالتفاف عليه لتحقيق رؤيا الدولة اليهودية الديمقراطية.


عندما تنتقد دول العالم التي كتبت الإعلان بيد مرتجفة، إسرائيل اليوم لسلوكها وانتهاكها حقوق الإنسان فيها، تجد إسرائيل من الصحيح أن تشير إلى جرائم هذه الدول السابقة وكأنه يجوز لها الآن أن تنفذ جميع الجرائم. إن جهود حكومة نتنياهو المحمومة لاحباط عمل منظمات حقوق الإنسان والمفتشات الحريصات من اريئيل اللاتي يصغن الإعلان من جديد، تبين بوضوح حقيقية أن مشروعي الأمم المتحدة يناقض بعضهما بعضا مناقضة دائمة. كان ادوارد سعيد هو الذي قال: “الفلسطينيون هم ضحايا الضحايا”. عندما يصبح الفلسطينيون ضحايا اليهود يجب أن نسأل: من ينقذ يهود اليهود؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock