رأي في حياتنا

حكام الواقع الافتراضي

ما الضير من أن يبحث الإنسان في مجتمعنا على منافذ لتوفير المال، ولو كان قليلا أو متقطعا وقصير الأجل؟ حكام مواقع التواصل الاجتماعي، الجالسون من خلف شاشات أجهزتهم الإلكترونية، يعلقون على الناس ويسخرون من سلوكياتهم الاقتصادية والاجتماعية، جاءتهم مناسبة الـ”بلاك فرايدي” حتى ينشروا عبر صفحاتهم تحليلات واستنتاجات فوقية متعالية، تمادت في بعض الأحيان إلى درجة الإهانة والتحقير.
ولمن لا يعرف أو يعرف ويدعي عكس ذلك، فإن هذا اليوم الذي يكون آخر جمعة في شهر نوفمبر من كل عام، تعده الأسواق في العالم كله فرصة ثمينة لتزيد من حجم المستهلكين والزوار والمشترين بطبيعة الحال. كما ينتظره ملايين الناس موزعين على دول العالم في الاتجاهات جميعا، من أجل أن يبتاعوا لأنفسهم ضروريات أو حتى كماليات وهدايا بأسعار أرخص وبنسب كبيرة.
إنما ما يحدث عندنا هو استعراض كاذب من قبل القائمين على تلك الأسواق، إلا ما رحم ربي، الهدف منه هو تصوير حجم الجمهور المندفع نحو الأوهام المخيبة للآمال، يعبرون من خلال بوابات محالهم ومتاجرهم.
بمعنى آخر، فوق مصيبة الكذبة التي يكتشفها المشترون بعد العودة إلى بيوتهم، أو حتى بمجرد الوصول إلي الأسواق، نزيد نحن على إزعاجهم وخيبتهم بالتعليقات الباردة والأحكام الظالمة. لم نحاول أن نتعامل مع الأمر كونه طقسا مسليا للأسر والأفراد، وفي الوقت نفسه محركا للأسواق والوضع الاقتصادي النائم مثلا.
هذا الحدث، وما تلاه من نتاجات سلبية ومحبطة، يأخذنا إلى نوع ليس بعيدا من الحوار المتكرر في مجتمعاتنا، وبالأخص في الطبقة المتوسطة والفوق متوسطة من أفراده. وهو أيضا نوع من الحوار المنسلخ عن واقع الناس وأوضاعهم الاجتماعية. فمن غير المنصف أن نسمع تعليقات منسوخة في كل مرة صادفنا مطعما مملوء على آخره بالمرتادين، وآخرين على قائمة الانتظار. أو نجلس في مقهى عماني محتشدا بالأصوات، والضحكات ودخان الشيشة.
أو مثلا نسافر أيام الإجازات والأعياد عبر عروض شركات السياحة، فنتعرف على وجوه ولهجة تشبهنا في إسطنبول وشرم الشيخ وأنتاليا. الكلام المتداول عادة يحكم على المواطنين الأردنيين بالكذب والادعاء، أنه “فش مصاري بالبلد”! على اعتبار أن من يستهلك المنتجات سابقة الذكر هم مؤشر الاقتصاد الوطني المعتمد على أسس علمية وإحصاءات مدروسة. الكارثة أن تكون مشاهد المصطافين أو الجالسين على موائد المطاعم والمتدافعين على أبواب التنزيلات الوهمية، تكون فعلا دليلا للحكومات عن وضع البلد وأهله!
لا يدرك مطلقو هذه الأحكام والقراءات المضللة، بأن الشخوص الذين يصادفونهم في تلك النقاط هم تقريبا نفس الأشخاص في المواعيد والأماكن المتنقلة العابرة لمزاج هذه الطبقة من المجتمع، والمعبرة عن وضعها الاقتصادي دون غيرها من الطبقات. وربما يغيب عن بال هؤلاء أن تلك الطبقة لا تشكل أكثر من عشرة بالمائة من حجم الكتلة السكانية، والطبقات الاجتماعية في الأردن.
كم كان مؤثرا وطيبا ما قامت به بعض المبادرات الإنسانية من أصحاب المشاريع التجارية المختلفة، لتقيم تشاركية مجتمعية واسعة استفاد منها وسعد بها مئات بل آلاف من أفراد مجتمعاتنا غير القادرين على اقتناص فرص مماثلة، في الأيام العادية غير الخاضعة للتخفيضات. فشكرا لأصحاب القلوب الكبيرة المتفهمة، والتي نرجو أن تتكرر محاولاتهم في إسعاد الناس وأطفالهم بين الحين والآخر.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock