أفكار ومواقف

حكايا كرم الخليلي

القدس مدينة من أَساطير وحكايا. وهناك تزاحمٌ حدّ الصراع على من يروي حكايته؛ وزحامٌ للزعم أنّ حكاية المكان هي حكاية طرف دون آخر. يُطرق باب الحكاية، فتنفتح عوالم من شغف الأساطير:
1) حكاية شخصية: قبل بناء جدار الفصل العنصري، كنتَ إذا استقللت حافلة من العيزرية أو أبو ديس، وهي القرى شرق المدينة المسوّرة، تصل مُنعَطفاً مُعيّناً في الطريق، ما إن تتجاوزه الحافلة، حتى تبهرك قُبّة الصخرة بضخامتها وذَهَبِها عن بُعد. لكن عقب الاقتراب ومحاذاة السور، تجد إلى يساره مبنى، اكتشفتُ -ربما بعد ثلاثين عاما من رؤيته أول مرة- أني دُهشت من طرازه المعماري. وعرفتُ أنّ دهشتي المستترة حتى عني يومها، والتي استدللت عليها لاحقاً بأني كنتُ أشتاق للمبنى على نحو خاص، لأنّ هذا المبنى -والذي هو متحف الآثار الفلسطيني (ويسمى أيضاً متحف روكفلر) وبني العام 1938 بتمويل من أميركيّ يُدعى روكفلر- صممه مهندس بريطاني زاوج فيه الهندسة الإسلامية مع الغربية، فنتجت توليفة مدهشة كما القدس، يستشعرها الطفل أو الزائر وقد لا يعيها.
2) حكاية الكَرْم: سبق وقرأتُ عن بيت الشيخ محمد الخليلي، ومكتبته. ورجعتُ أثناء إعداد هذا المقال لسبعة كتب؛ ثلاثة منها إسرائيلية متخصصة بتاريخ المدينة فلم أجد شيئاً عنه، ووجدتُ شيئاً في كتب عربية. ولدي ما أضيفه الآن.
مما قرأتهُ واستنتجتُه، أنّ الشيخ نشأ في الخليل، ودرس في الأزهر، وجاء القدس مفتيّاً نحو العقد الأول من القرن الثامن عشر. ويبدو أنّه سكن البلدة القديمة قريباً من “الأقصى”. إلا أنه شرع (نحو العام 1711) يبني بيتهُ خارج الأسوار، إلى الشمال الشرقي. لكن، وكما جاء في معرض يقام الآن في جامعة بيرزيت، يبدو أنّ الشيخ حمل من الخليل شتلة صنوبر (حملها في عمامة، أو كما جاء في المعرض في عمامته)، وزرعها في حديقة بيته المنيف، الذي صار يعرف باسم كرم الخليلي، قبالة باب الساهرة، على تلة مطلّة على المساجد والكنائس والمدينة، وخلفه جبل الزيتون بكل إرثه التاريخي.
وصارت شجرة الصنوبر تنمو بين أشجار الزيتون، واعتنى بها الشيخ الصوفي الشافعي الذي أتخيله فارعاً، كان قد سافر إلى مصر والعالم، وهو من أول من بنى خارج أسوار القدس، مع أنّ الناس كانت ترفض وتخاف ترك الأسوار. ولعله كان يعرف أن الحُكّام والعِظام يبنون قرب المدن في مكان يطل عليها، لا داخلها. ومن ضروب عنايته بالشجرة، بطريقته الخاصة، أنّه صار يتوضأ عندها؛ فيرويها بماء الوضوء، بكل ما تعنيه الصلاة لصوفيّ متعبد ساح في الأرض قبل استقراره في مدينة الأديان والقصص والأسطورة. ولأنّ الكِتاب خير جليس، والكتب سياحةٌ بذاتها، فقد بنى مكتبة داخل الأسوار صارت مشهورة، حوَت سبعة آلاف مجلد في مختلف العلوم، وقفها على ذريته وطلاب العلم، وفتحها للمُشتَهين. (يذكّرني ذلك بالجبلاوي وبيته في رواية “أولاد حارتنا”).
كان شيخاً “فارعاً”، يقولُ الآن للعالم، بعد ثلاثة قرون من وفاته: لم يُعمِّر الغرباء بلادي، أنا عَمَرتُها. ولو “بقينا” فيها، لعمرناها أَكثر. وصار البيت في مطلع القرن العشرين منزلاً لأساتذة المدرسة الرشيدية المحاذية، والتي كانت مَعلَمَاً آخر أنّا أهل البلاد وأنّا نَعمُرها، كانت “جَمّاعَةً” للطّلاب والأساتذة من الوطن وأكنافه.
وفي العام 1938، بُنيَ المتحف الفلسطيني (روكفلر) على جزء من أرض الكرم.
3) حكاية زمن الاحتلال: استولى الإسرائيليون على المتحف العام 1967. فسرقوا موجوداته التي تحتوي حتى مخطوطات قمران وأسفار الأمم الخوالي. وجُعِل المبنى لإدارة الآثار الإسرائيلية، وتراجع البيت.
ماتت “صنوبرة” الشيخ واقفةً كعادة الأشجار، وقُطِعَت العام 1988، وأُهمل الكَرم، وصار شارع الساهرة سيئ السمعة؛ مكاناً لَيلياً لمتعاطي المخدرات والموبقات. وحاول “أهلٌ” إنقاذ المكان وتاريخه. ومنذ نحو العام تُنظّم مؤسسة “حوش الفن” المقدسية فعاليات في حديقة كرم الخليلي، حيث تعرض أفلاما، وتحت اسم “زلة لسان” تطلب من أهالي المنطقة رواية قصصهم، كأنّها تاريخ شفوي حُرّ. وتأتي هذا العام بمدرسة سيرك فلسطين من قرية بيرزيت للحديقة، ليعلّموا الأولاد بعض مهارات السيرك؛ فيعيدوا ربطهم بالحديقة، ويُغيروا صورتها السلبية الطارئة. والآن قصة البيت وبعضٌ من الصور في متحف بيرزيت.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. فلسطين أرض الحضارة
    الله يصبحك بأنوار الوطن على هذا المقال الجميل يا د. أحمد جميل
    وهل أبلغ من هذا الرد على من يدعون أن الصهاينة هم من حولوا فلسطين إلى جنة؟ من يدعون ذلك ليسوا سوى أشخاص لا يقرأون التاريخ ولا يعرفون شيئا عن فلسطين، وبلغ بهم الجهل حد ترديد المغالطات، فلسطين بيوت الثقافة والأدب والجمال والانفتاح على العالم وتقبّل القادمين إلى إليها منذ مئات بل آلاف السنين ومن لا يتعرف على ذلك جاحد جاهل

  2. نحن من عمرها
    نعم بلادنا نحن من عمرها وليس الغرباء ، ونحن من يعرف نخيلها وزيتها وتينها وزيتونها وكل باب وسور فيها ومكتباتها ونسائها ومناضليها
    نحن أهلها

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock