أفكار ومواقف

حكومة جديدة ومرحلة حاسمة

جاءت الرسالة النيابية التي رفعت إلى جلالة الملك لتهيئ لتغيير حكومي كان قد تم البدء بالتفكير به بعد سلسلة من اللقاءات والمشاورات، أفضت في جلها الى ضرورة التغيير بسبب عدد من القرارات الحكومية أدت إلى الانتقاص من صدق توجه الدولة الإصلاحي أو قدرة الحكومة على حمل المرحلة. الحدث يرسخ مرة أخرى فعالية وكفاية مجسات الدولة السياسية، وقدرة الحكم على قراءة الرأي العام والاستجابة له والعودة عن القرارات والتوجهات ومراجعتها، في ميزة أعتقد جازما أنها حصن الأردن السياسي المنيع، والتي نأت وتنأى به عن الأزمات.
عندما رحلت حكومة سمير الرفاعي، كنت ممن يعتقدون أنه سيؤرخ لها بإيجابية رغم أخطائها. والتاريخ السياسي لحكومة د. معروف البخيت سيكون أيضا مزيجا من هذا وذاك. فبالرغم من سلسلة القرارات الخاطئة التي كان أوضحها وأكثرها أذية للحكومة الطريقة التي أدير بها ملف الانتخابات البلدية، إلا أن التاريخ سيذكر لهذه الحكومة إنجازها لقانون الاجتماعات العامة ونقابة المعلمين والتعديلات الدستورية، وأنه ورغم سجلها المرتبك في موضوع الفساد، فقد استدارت وصححت المنهج وقدمت نفسها للمحاكمة أمام النواب. الآن، تأتينا حكومة جديدة من وحي هذا الإرث، وفي مرحلة استثنائية بكل المعايير. والتغيير يأتي غير متماه مع مخطط الدولة الإصلاحي الذي كان لينتظر إنجاز قوانين العمل السياسي ليصار بعدها إلى حل البرلمان والحكومة معا. الرئيس المكلف يجد نفسه اليوم أمام مشهد معقد، وسيكون مضطرا لإثبات حضور مرئي وملموس، والتعامل باقتدار مع معطيات المرحلة المتشابكة والمتمثلة في سواد حالة من عدم الارتياح لدى الرأي العام بسبب الأوضاع الاقتصادية، والانطباع بالتلكؤ في الإصلاح، والشعور بعدم كفاية الحكومات؛ والتعامل أيضا مع معارضة لا تبدو ممتلكة رؤية استراتيجية واضحة تعي ضرورات المرحلة. الحكومة ستجد نفسها أمام شعارات ستدعو لإسقاطها منذ يومها الأول، بسبب القناعة السائدة أن تغيير الأشخاص لن يعني بالضرورة تغيير السياسات وزيادة جودتها. وهي لذلك معنية بالانتباه للأيام والقرارات الأولى من مسيرتها.
لن يكون من اليسير على الحكومة الجديدة التعامل مع كل هذا التعقيد والحمل الموروث، إلا أن طريقة التشكيل التي قيل إنها ستكون تشاركية هذه المرة، والتأكد من جودة القرارات وتنفيذها بكفاية وجودة، من شأنهما أن يمكّنا الحكومة من كسب ثقة الرأي العام وردم هوة بينه وبين مؤسسات الدولة. والرئيس المكلف، ولأن سجله خال من أي جدليات سياسية وهو القاضي في أرفع محكمة دولية، قادر على قيادة المرحلة في تقديري. وهو بالرغم من عدم معرفتي بدرجة “سياسيته”، سيكون متمكنا من تقديم أطروحات إصلاحية ذات مصداقية، وتنفيذها بجودة عالية.
أمام الرئيس عدد من الأسابيع، وربما الأشهر، ليعيد المصداقية “لجودة تنفيذ” مشروع الدولة الإصلاحي المعلن، الذي استطاع بالفعل أن يقنع غالبية الرأي العام بمنهج الإصلاح وخط سيره الزمني ونهاياته المتوقعة. وهو من أجل إحقاق ذلك بحاجة إلى فريق عمل من الطراز الممتاز من حيث كفاية الإنتاجية وسرعة التنفيذ، لدرجة تقنع الأردنيين أن لديهم حكومة على مستوى الحدث وبحجم المرحلة.

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock