أفكار ومواقفالكتّاب

حلم وردي

د. لانا مامكغ

امتلأت القاعة بهم على مراحل، رجال منهكون، ونساء متبرمات، جلسوا بتثاقل وعلى ملامحهم ملل وتعب ووجوم، إلى أن أقبل الضيف مع بعض المرافقين ليجلس على المنصة أمام الجمع ويقول: “إخواني وأهلي الكرام، تعرفون أني ودعت والدتي قبل أيام، وتم الدفن هنا في بلدتي الحبيبة بناء على وصيتها، أما سبب وجودي بينكم اليوم مرة أخرى، فهو رغبتي في بناء مسجد هنا باسم المرحومة، لكن ما لاحظته أن عدد المساجد كبير نسبيا قياسا مع عدد السكان، بناء على ذلك، قررت استثمار المال ذاته في مشروع آخر لكم يكون صدقة جارية عن روحها، لذلك، فأنا بينكم الآن للاستشارة، وتلقي النصح، وتبادل الآراء”.

ساد صمت للحظات، ثم ارتفعت جلبة، ودارت أحاديث ثنائية بين الموجودين، إلى أن وقفت سيدة لتقول: “شكرا، فاجأتنا بالموضوع، لكن اقتراحي هو إقامة مصنع صغير للتصنيع الغذائي، فالمنطقة خصبة، وغنية بالمحاصيل المختلفة التي نجد صعوبة في تسويقها، هذا مشروع سيوفر كذا فرصة عمل للسيدات، وللشباب الخريجين المتعطلين عن العمل أيضا، والأمر لكم”.

ثم وقف رجل خمسيني ليقول: “مع احترامي لاقتراح الأخت، أنا أرى أن الأولوية هي في إنشاء مركز صحي خيري يتولى معالجة مرضى الفشل الكلوي، لأن عددهم كبير في بلدتنا كما في المناطق المجاورة، وبعضهم لا يملك أجرة الطريق، أحيانا، للوصول إلى المركز الطبي البعيد عنا بعشرات الكيلومترات، والذي لا يتوفر فيه سوى جهاز واحد لغسيل الكلى!”

كتب الضيف ما سمع، ثم أبدى رغبته في سماع آراء الشباب، فقام أحدهم ليقول: “أنا تطوعت لتدريب عدد من الصبية على مهارات كرة القدم، وأجد لدى بعضهم قدرة باهرة على امتلاكها، مشكلتنا هي في المكان، أتمنى إنشاء مجمع رياضي متكامل بمعايير دولية حتى يستقطب شباب البلدة كلهم، فالرياضة، كما تعلم سيدي، تحصن الأجيال من أمور عديدة مثل التدخين والترهل والفراغ وغيرها، وأحلم أن أصنع نجوما في كرة القدم من بلدتنا هذه حتى ندخلها التاريخ!”

فعلقت إحدى المسنات بالقول: “آمين، الله يحمي الشباب” ثم أضافت وهي تنظر في عيني الضيف مباشرة: “بصراحة يا ابني، نحن لا نرى أمثالك من أبناء المنطقة إلا في الأحزان، تدفنون موتاكم وتمضون، ألم يلاحظ أي منكم سوء الوضع في مقبرة البلد؟ حبذا لو أمرت بتسييجها، وزراعة الأشجار حولها، وسأساعد العمال بنفسي لتنظيفها من القاذورات والأشواك، وأعاهدك بزراعة بعض النباتات اليانعة فيها أيضا… يا ابني، أنا سأودع الدنيا قريبا، وأود لو أدفن في مكان يحترم الموت!”

تعالت الأصوات في القاعة تدعو لها بطول العمر، إلى أن انبرى أحدهم ليقول: “آمل ألا نكون قد أثقلنا عليك سيدي، ما أود قوله هو أن الشتاء على الأبواب، ماذا لو زودت المدارس بألواح الطاقة الشمسية مثلا، وكذلك بيوت بعض الأسر العفيفة للتخفيف من معاناتهم في هذا الفصل، والباقي عند حضرتكم.”

استأذن الضيف بإنهاء اللقاء متعهدا بدراسة الاقتراحات جميعها بالسرعة الممكنة، وترتيبها حسب الأولويات، ونقل الاحتياجات الأخرى إلى بعض رفاقه المتنفذين في العاصمة من أبناء المنطقة ذاتها!.

ولم يمض عام واحد على ذلك الاجتماع، حتى كانت اقتراحات الحضور قد خرجت إلى النور، والمشاريع كلها قد نفذت!.

المقال السابق للكاتبة

المبدع

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock