ترجمات

حليمة.. المُفجِّرة الانتحارية التي نجت من الموت

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تيل ماير – (ديرشبيغل) 10/5/2019
بول، تشاد- كان من المفترض أن تموت حليمة في سوق في تشاد. وكانت مهمتها هي أن تأخذ أكبر عدد ممكن من الناس معها في رحلة الموت -وهي مهمة فرضتها عليها جماعة بوكو حرام الإرهابية. لكنها نجت. والآن، تتعلم الفتاة البالغة من العمر 20 عاما كيف تعيش مرة أخرى.
تزوجت حليمة وهي في الرابعة عشرة من عمرها. ولم يسأل أحد الفتاة عما إذا كان هذا هو ما تريده. كان زوجها أكبر منها بأعوام قليلة، وانضم إلى جماعة بوكو حرام الإرهابية، تماماً كما فعل العديد من سكان جزر بحيرة تشاد. كان الافتقار إلى الآفاق والفرص في الوطن يجعلهم مكشوفين أمام بوكو حرام ووعودها بتطبيق الشريعة الإسلامية القاسية والتخلص من الفساد المستشري.
* * *
مع أن بضعة أمتار فقط هي التي تبقت لتقطعها قبل أن تصل إلى قريتها، بالكاد تستطيع حليمة أن تتحمل. وتغذ الفتاة البالغة من العمر 20 عاماً الخطى عندما ترى الأكواخ الأولى في القرية، منتشية بالعودة إلى المنزل، حتى لو كان ذلك لمجرد زيارة قصيرة فحسب. وتبدو مشيتها غير مستقرة نوعاً ما -فبعد كل شيء، ليس من السهل المشي خلال الرمال الناعمة على ساقَين اصطناعيتين.
لا تأتي حليمة كثيراً إلى جزيرة جوميروم دومو في بحيرة تشاد، التي تقع على الحافة الجنوبية لمنطقة الصحراء الأفريقية وتمتد عبر حدود الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا. وتستغرق الرحلة ساعة ونصف الساعة من السفر بواسطة القارب من بلدة بول الصغيرة في تشاد إلى جزيرة حليمة الأصلية، ويتموج الطريق في متاهة من الجزر الصغيرة وسجاد العشب العائم.
تقول حليمة إنها عاشت طفولة طيبة على جزيرة جوميروم دومو، وهي تحب هذا الجزء من الأرض؛ حيث يبدو الزمن وكأنه قد توقف في الجزيرة، برمالها الجميلة وأشجارها التي تبسط الظل من شمس الظهيرة، وأكواخها المصنوعة من الطوب الطيني والخشب والقصب -وحيث تتجول الماشية بقرونها الضخمة.
لكن هذه الحياة الهادئة انتهت في اليوم الذي ترتب عليها فيه أن تتبع زوجها إلى معسكرات جماعة بوكو حرام الإرهابية -ثم كادت حياتها الخاصة تنتهي بعد ذلك بسنتين تقريباً كمفجّرة انتحارية. وقد نجت من الموت، لكن الانفجار بتر ساقيها. ويستطيع المرء أن يغفر لحليمة غضبها من هذه القرية ومن عائلتها. لكنها لم تعد ساخطة الآن.
تدير حليمة يدها على السياج الخشبي لمنزل والديها. لكن الذي يحييها هو الصمت. لا يبدو أن أحداً من أفراد عائلتها موجود في القرية اليوم. وعادة ما يكون السكان هنا بعيدين لأيام عدة -أو حتى لأسابيع- في وقت واحد -يصطادون في البحيرة أو ينقلون ماشيتهم إلى أجزاء من الجزيرة حيث يكون الرعي أفضل.
في وسط القرية، يجلس جيران حليمة السابقون في الظلال. ويحيون محمد بوكا ووفده الصغير بإيماءة بالرأس. وتضم المجموعة رئيس بلدية بول، الذي يعمل أيضاً كمدرس ويقوم بتعليم حليمة القراءة والكتابة؛ وإيلي سابوانكا، أحد موظفي منظمة المعونة الإنسانية والإدماج. وقد رتبت المجموعة لحصول حليمة على الأطراف الاصطناعية.
وتجلس الشابة أيضاً في الظل، وتخلع أطرافها الاصطناعية وتضعها بجانبها. أصبحت جذوع ساقيها تؤلمها؛ فبعد كل شيء، كانت دائمة التنقل على ساقيها طوال اليوم.
تزوجت حليمة وهي في الرابعة عشرة من عمرها. ولم يسأل أحد الفتاة عما إذا كان هذا هو ما تريده. كان زوجها أكبر منها بأعوام قليلة، وانضم إلى جماعة بوكو حرام الإرهابية، تماماً كما فعل العديد من سكان جزر بحيرة تشاد. كان الافتقار إلى الآفاق والفرص في الوطن يجعلهم مكشوفين أمام بوكو حرام ووعودها بتطبيق الشريعة الإسلامية القاسية والتخلص من الفساد المستشري.
على مدى أعوام، شنت بوكو حرام حملة عنيفة لتأسيس ثيوقراطية إسلامية في المنطقة الشمالية الشرقية التي تقطنها أغلبية مسلمة في نيجيريا -ليس بعيداً عن جزيرة حليمة الأصلية. ولقي أكثر من 27.000 شخص مصارعهم بسبب الهجمات التي نفذتها المنظمة الإرهابية خلال السنوات التسع الماضية، وتم تشريد 1.8 مليون شخص آخرين.
بعد زواجها بفترة وجيزة، اضطرت حليمة لمرافقة زوجها إلى معسكرات بوكو حرام. كانت محطتهم الأولى مستوطنة صغيرة في الكاميرون. وتقول: “كان الوضع فظيعاً هناك. كان هناك بالكاد أي شيء لنأكله”، وكان زوجها يبقى بعيداً مع معظم المقاتلين الآخرين. ثم جاء الأمر بالمغادرة إلى نيجيريا.
تروي حليمة كيف أنهم ساروا عبر الأدغال لأيام متتالية، وهم يعانون من العطش والجوع، وكيف أن المواليد الجدد لم يتمكنوا من النجاة من هذه الرحلة. وتقول وهي تنظر إلى الأرض: “كان على الأمهات ببساطة أن يتركن أطفالهن الموتى على جانب الطريق”. وبقيت حليمة مع بوكو حرام حتى 22 كانون الأول (ديسمبر) 2015 -يوم الهجوم.
“إذا لم تذهبي، سوف نقتلك”
كانت حليمة قد روت قصتها مسبقاً في مركز المجتمع في بول، حيث تعيش الآن، ولذلك روى أستاذها محمد بوكا جزءاً كبيراً من القصة المروّعة بينما تهز حليمة رأسها لتأكيد روايته. وفي بعض الأحيان، كانت تتدخل لتوضيح الأمور بمزيد من التفصيل. وعندما تتحول القصة إلى اختيارها لتكون “كاميكاز”، انتحارية، تتدخل وتقول: “في الواقع، كان زوجي هو الذي يجب أن يذهب، لكنه لم يرغب في ذلك”. ويتوهج الغضب لفترة قصيرة في عيون حليمة، ثم تبدو وكأنها غائبة لبرهة.
وهي متدينة بشدة، وكانت دائماً أول من يصل إلى دروس القرآن في نيجيريا. ولكن بعد ذلك، أخبرها “المرابوت” -وهو رجل إسلامي مقدس- بأنها ستذهب مباشرة إلى الجنة إذا أصبحت “كاميكاز”. ومع ذلك، لم تصدق حليمة أن التفجير الانتحاري يمكن أن يكون إرادة الله. ولأنها كانت ما تزال مراهقة في ذلك الوقت، فإنها كانت تحب الحياة وكانت سريعة إلى الضحك.
قال لها رجال بوكو حرام: “إذا لم تذهبي، سوف نقتلك”. في سبع مناسبات مختلفة، حاولت حليمة الهرب، كما تقول، وإنما تم القبض عليها في كل مرة. وبعد آخر محاولة فاشلة، قال لها أحد المتشددين: “إذا هربتِ مرة أخرى، فسوف نذبحك مثل حيوان”.
ثم جاء اليوم الذي تم إرسالهم فيه، هي وأربعة رجال وامرأتان أخريان. وأملت حليمة في أن تتمكن من استغلال هذه الفرصة للهروب، لكنها هي والآخرين كانوا مخدرين. وتتذكر: “كان الأمر كما لو أنني نصف واعية لما يحدث”. كانت العبوات الناسفة معبأة في حقائب وأكياس، وكانت حليمة تحمل عبواتها في كيس بلاستيكي. وكان لدى بعض الآخرين أحزمة ناسفة مربوطة على أجسادهم.
سافروا بهذه الطريقة عبر البحيرة باتجاه تشاد، في رحلة شاقة استغرقت ثلاثة أيام. وعندما انسحقت الرمال بجلبة تحت هيكل القارب، عرفوا أنهم وصلوا أخيراً إلى البر الرئيسي. وكانوا قد أُمِروا بتفجير قنابلهم في يوم السوق في إيغا، بالقرب من بلدة بول الصغيرة. وتقول حليمة: “كان الظلام قد حلّ عندما هبطنا على الشاطئ في تشاد”، لكن حراس القرية اكتشفوا أفراد المجموعة أثناء محاولتهم شق طريقهم إلى الأمام تحت غطاء الظلام.
وتقول حليمة: “وعندئذ أحاطوا بنا”. وفي تلك اللحظة، كانت على بعد مسافة قصيرة من المجموعة، تصلي. وكان كيسها البلاستيكي المملوء بالمتفجرات مع الآخرين -الذين فجروا عبواتهم عندما أدركوا أنهم محاصرون. وكانت حليمة هي الوحيدة التي نجت، ولو أن الانفجار بتر ساقيها الاثنتين. وقد تمزق رأس عضو آخر من المجموعة في الانفجار. ولم يمت أي من القرويين، لكن بعضهم أصيب بشظايا.

أنقذها أولئك الذين كان من المفترض أن تقتلهم
أنقذ القرويون حليمة، على الرغم من أنها كانت واحدة من “الكاميكاز” الذين جاؤوا لقتلهم. وكانت قد عانت من فقدان شديد للدم، وكان تمكنها من النجاة في الساعات الأولى بعد الانفجار بمثابة المعجزة.
تقول حليمة: “يعرف الكثير من الناس في بول اليوم قصتي وهم طيبون معي”. كما تلقت دعماً من الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة. وترتب عليها أن تتعلم تدريجياً القبول بجسدها المعاق، والتصالح مع ما مرت به والسيطرة على عواطفها.
لكن لدى الشابة هدف أيضاً. “أنا مصممة على تعلم القراءة والكتابة بشكل جيد”، كما تقول. وتقول العاملة في برنامج الإنسانية والإدماج، فانيانيرينا راتسيفيرانا: “قابلتها عندما كانت تجر نفسها على جذوع ساقيها إلى مدرسة ابتدائية لتلقي الدروس”. والآن، أصبحت لدى حليمة أطراف اصطناعية، وبدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان، يتم تدريسها في مدرسة خاصة صغيرة ومتواضعة. وهي لن تعود إلى جزيرتها الأم في الوقت الحالي.
قلة قليلة من الناس في جزيرة جوميروم دومو يستطيعون القراءة والكتابة. وتقول حليمة خلال زيارتها للجزيرة: “يتعين على قريتنا أن تطور التجارة وأن تنخرط فيها. كما تحتاج إلى مدرسة مناسبة فيها عدد كاف من المعلمين”. وتعرف حليمة أنه فقط إذا حدث تقدم في قريتها، سيتوقف الرجال هناك عن الانضمام إلى بوكو حرام، ولن يتم اختطاف النساء، ولن تتزوج الفتيات ضد إرادتهن بعد الآن.
وعندئذ، حان الوقت للذهاب، وجلب لها جيرانها القدامى عربة يجرها حمار لمساعدة حليمة على العودة إلى القارب. وحاولت الفتاة ذات العشرين ربيعاً أن تستمتع بكل لحظة في قريتها الأصلية، وعندما شرع محرك القارب في الهدير، دفنت وجهها بين يديها.
يستجمع القارب زخمه وينطلق متسارعاً. وفي النهاية، تغلق الجزر الأخرى الطريق على مشهد جوميروم دوما. وعندئذٍ، تستلقي حليمة على الألواح الخشبية القاسية في أرضية القارب، وتغرق في النوم، منهكة تماماً من رحلة اليوم.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Terror Group Boko Haram: The Suicide Bomber Who Survived

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock