أفكار ومواقف

حل الدولة الواحدة من منظور أردني

مالك العثامنة

في إدراج لافت ومختصر ومفيد كتبت الزميلة نادين النمري على صفحتها في موقع الفيسبوك ما يلي:

(.. الطفل حسن ضحية ما جنيناه من خطاب الكراهية والتحريض في كرة القدم.
ربما يقول البعض الأفضل اغلاق الناديين لكن وان تم ذلك سيبحث البعض عن نواد اخرى للتعبير عن تعصبهم لهوياتهم الفرعية. في الواقع ما نحتاج لنسفه أعمق بكثير من مجرد ناد رياضي).

هذه الفقرة الصغيرة والمكثفة تحوي الكثير مما يمكن قوله وفيها أفكار عديدة يمكن من خلالها تشريح الواقع “المؤسف” للمجتمع الأردني بشتى أصوله ومنابته وقد غابت “المواطنة” بفعل غياب دور الدولة نفسه، والدولة هنا لا تعني أبدا الحكومة او جهات رسمية أيا كانت، بل الدولة كمفهوم سياسي حاضن للجميع بقوة القانون والقانون وحده.

فلنكن صريحين في العلن كما نحن نتصارح في جلساتنا “العلنية” اليومية:

لدينا شروخات وانقسامات أفقية وعمودية متعددة وعميقة، منها ما أهملناه فتوسعت فجواته بما لم يترك مجالا للرتق المعتاد عبر الإنشائيات، ومنها ما تشكل بفعل عوامل التجوية “الرسمية” و”التعرية” الاقتصادية.

خطاب الكراهية والتحريض ليس في كرة القدم وحدها، ولا هو طريق في اتجاه واحد مسؤول عنه طرف واحد فقط، هناك تشوه في مفهوم “الدولة الأردنية” يضعها امام مفترق هويات متعدد، على رأسها هوية الأردني والفلسطيني، ولا تنتهي بهوية “من يملكون” و ” من لا يملكون”.

العاصمة نفسها منقسمة بين طبقتين، وبمجملها “كمدينة” منفصلة عن باقي المدن في الأطراف الأردنية.

هناك خطاب جديد ومبتكر “أفرزته الانقسامات ذاتها” فحواه قائم على من يشبهنا ومن لا يشبهنا، وهذه مقارنات طبقية اجتماعية خطيرة لا معايير لها إلا العصبوية والإقليمية والشعور الواهم بالتميز حد التمايز.

حتى في تشكيل الحكومات الأردنية، والمناصب العليا لدينا فرز لا يقوم على برامج حكم ومنهجيات إدارة بقدر ما يقوم على توزيعات إقليمية “تضيق أكثر وأكثر” أو فرز قائم على شلليات ومحسوبيات لا ترى أبعد من ضيوف سهرة كحل لمشاكل الأردن.

القصة ليست في متلازمة “الفيصلي والوحدات” القديمة والتي لم ” يجد أحد حلا لها، ولن يكون هناك لها أي حلول بدون تفكيك الحالة الأكبر في الدولة والمجتمع.

ومثلما تنبأت الزميلة النمري، فإن حل الناديين لن يحل المشكلة، لقد تم حل نادي الوحدات قبل ذلك منذ عقود طويلة، وتم تسميته بنادي الضفتين، وكانت تلك رؤية بلاغية إنشائية تشبه محاولة زرع النخيل الصحراوي في القطب الجنوبي، فالشعور العام كان كله يسير ضد تيار “الضفتين” والنهر الفاصل بينهما كان دوما “سر الخيبة”.

لا يحل كل مشاكلنا وأزماتنا “العنقودية” التي تتوالد ذاتيا بطبيعتها إلا استحضار الدولة، بكامل لياقتها المؤسسية، وتلك الدولة المؤسسية لن تكون بدون ترسيخ قوة القانون في وجدان الناس، وهذا لن يكون بدون ثورة شاملة على منظومة التعليم أولا، لخلق جيل قادم قادر على ان يحاسبنا على كل حماقاتنا مدركا معنى المواطنة الحقة والمتساوية ويؤمن ان هويته الوحيدة هي تلك الدولة التي تعطيه حقوقه كاملة ويعطيها ما عليه من واجبات، الدولة الأردنية التي لا خروج عن نصها الموحد الجامع والشامل والمانع.

نحن بحاجة أيضا إلى حل “الدولة الواحدة” فيما بيننا.

المقال السابق للكاتب

درس من الأمس

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock