ترجمات

حملة أميركا الجوية في سورية مثيرة للإعجاب حد الشك، بعدم قتلها مدنيين

ميشا زينكو* – (فورين بوليسي) 25/11/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

من أجل تكثيف الحرب التي يشنها التحالف الذي تقوده الولاياة المتحدة ضد “داعش”، تدرس وزارة الدفاع الأميركية المزيد من تخفيف قواعد الاشتباك، والتي تهدف إلى تقليل الخسائر المدنية إلى الحد الأدنى، وتوسيع مجموعة الأهداف التي يمكن قصفها. ويوم 19 تشرين الثاني (نوفمبر)، قال وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، لمحظة تلفزة أميركية، إن الجيش الأميركي “مستعد” لتغيير قواعد الاشتباك، وفي الحقيقة، ذُكر في اليوم التالي أن التحالف كان يسعى إلى زيادة الضربات الجوية عن طريق “تغيير سياسة تهدف إلى الوقاية من إيقاع الخسائر المدنية في المناطق التي تسيطر عليه الدولة الإسلامية”. كما لقي احتمال إسقاط المزيد من القنابل على المزيد من الأهداف المتصلة بمجموعة “الدولة الإسلامية” التأييد أيضاً من المرشحين الرئاسيين الأميركيين: هيلاري كلينتون، ودونالد ترامب، وكريس كريستي، في وقت سابق من الشهر الماضي.
على الرغم من غياب هذه الحقيقة إلى حد كبير عن معرفة المرشحين الرئاسيين، فإنه تم تخفيف قواعد الاشتباك ضد “الدولة الإسلامية” إلى حد كبير مسبقاً. وكان الأسبوع الذي انتهى يوم 17 تشرين الثاني (نوفمبر) هو الأكثر كثافة في سبعة أيام من القصف -بإسقاط 980 قنبلة- منذ بدأت “عملية العزم المتأصل” الجوية ضد “داعش” في آب (أغسطس) 2014، وفقاً للقيادة المركزية الأميركية. وبالإضافة إلى ذلك، تتضمن عملية “الموجة العارمة 2” الجديدة الجارية الآن -السلسلة المتصاعدة من الضربات الجوية ضد البنية التحتية النفطية التي تسيطر عليها “الدولة الإسلامية”- قصف المئات من شاحنات النفط التي لم تكن تستهدف سابقاً. والسبب، وفقاً للمتحدث باسم عملية “العزم المتأصل”، الكولونيل ستيف وارين، هو أن “سواقي الشاحنات أنفسهم، ربما لا يكونون أعضاء في مجموعة الدولة الإسلامية؛ إنهم على الأرجح مجرد مدنيين”. والآن يتم تدمير هذه الشاحنات بواسطة طائرات “ثندربولت أ-10″، و”أ، سي-130 سبكتر” بعد 45 دقيقة من إسقاط منشورات عليها تقول، “أخرجوا من شاحناتكم فوراً، اهربوا بعيداً عنها”.
يفترض أولئك الذي يؤيدون تخفيف قواعد الاشتباك، أن إسقاط عدد أكبر من القنابل على مجموعة أكبر من الأهداف سوف يسرع تدمير “الدولة الإسلامية”. لكن هذا مجرد وهم. ربما تكون ضربات التحالف التي بلغ عددها نحو 8.300 قد دمرت أكثر من 16.000 من أهداف “الدولة الإسلامية” وقتلت أكثر من 20.000 من المشتبه بأنهم مقاتلوها -بما في ذلك “واحد من عناصر القيادة الوسطى أو العليا كل يومين”- لكن هذا كله غير كافٍ على الإطلاق. هل يعتقد آشتون كارتر فعلاً أنه سيمكن إضعاف وتدمير هذا الجيش المتشدد الهائل سريعاً بمجرد القليل من تصعيد القوة الجوية؟
المشكلة الأولى في هذه النظرية هي أن جيوش المتطرفين الكبيرة لا تُهزم، لا كلياً ولا جزئياً، بالقوة الجوية. ويكرر صناع السياسة لازمة “يمكنك أن تشق طريقك بالقتل للخروج” من المشكلة التي يمثلها مثل هؤلاء الخصوم، لكن عليك عندئذٍ أن تواصل استدعاء القوة الجوية لتشق لك الطريق فحسب، هذا على الرغم من حقيقة أن كل الجيوش المتطرفة والمجموعات الإرهابية التي تم قصفها بالمقاتلات والطائرات بلا طيار على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية عاشت وتمكنت من النجاة. إنه لم يتم تدمير أي منها تماماً -والتدمير التام هو ما يُزعم أنه الهدف الاستراتيجي لقتال “الدولة الإسلامية”. وبالإضافة إلى ذلك، فإن حجم المجموعات المرتبطة بالقاعدة، والتي تزعم الولايات المتحدة أنها تخوض حرباً ضدها، إما بقيت على حالها أو أنها كبرت فقط، في حين ارتفع عدد المنظمات التي تصنفها وزارة الخارجية على أنها منظمات أجنبية متطرفة من 34 في العام 2002 إلى 59 في العام 2015.
مع ذلك، يبقى أكبر مكامن قلق هذه المنظومة العقلية هو النمو الأكيد للضرر الجانبي والخسائر المدنية التي ستصاحب تخفيف قيود قواعد الاشتباك بقدر كبير. وفي شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، لاحظ الجنرال بوب أوتو، نائب رئيس هيئة أركان القوات الجوية الأميركية لشؤون الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، أن التحالف “واجه تحدي العثور على ما يكفي من الأهداف التي يمكن أن تقصفها الطائرات، والتي تفي بقواعد الاشتباك”. ومع ذلك، أضاف تحذيراً مهماً: “إنك إذا قتلت عن غير قصد -من الناحية القانونية- رجال ونساءً وأطفالاً أبرياء، فسوف يجلب عليك ذلك نتائج عكسية. وهكذا، ربما نقتل ثلاثة مدنيين ونصنع 10 إرهابيين”.
ثمة مؤشر مهم أُعلن مؤخراً عن كم من الصعب على الطيارين الحيلولة دون إلحاق ضرر بالمدنيين أثناء تنفيذ ضربات “الاستهداف الديناميكي” -بمعنى توجيه الضربات ضد أهداف غير مخططة ولا متوقعة ضمن برنامج زمني مضغوط- على الرغم من مراعاة كل الضوابط والتوازنات والإجراءات. ففي الفترة الأخيرة، أصدرت القيادة الوسطى للجيش الأميركي بياناً صحفياً يلخص مكتشفات وتوصيات تحقيق أُجري حول هجوم كان قد شُن على نقطة تفتيش تابعة لمجموعة “الدولة الإسلامية” يوم 13 آذار (مارس) بالقرب من الحضرة، العراق، والذي “يرجح أنه أفضى إلى مقتل ثلاثة مدنيين من غير المقاتلين” على الرغم من “اتخاذ كل التدابير المعقولة لتجنب وقوع وفيات أو إصابات غير مقصودة لغير المقاتلين، بمراجعة إضافية لطبيعة الهدف قبل الاشتباك”. وكانت هذه هي المرة الثانية فقط، في 16 شهراً من القصف، التي تعترف فيها القيادة الأميركية بإلحاق ضرر بالمدنيين؛ وكانت المرة الأولى في أيار (مايو) عندما أصدرت القيادة المركزية تحقيقاً في ضربة نُفذت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 ضد ما يدعى “مجموعة خراسان”، والتي “يرجح أنها أفضت إلى مقتل طفلين من غير المقاتلين”. وبعبارات أخرى، فإن الجميع داخل هيكل القيادة، بمن فيهم طيار المقاتلة (إيه-10) التي نفذت، فعلوا ما تدربوا على فعله، ومع ذلك قتل أربعة مدنيين من دون قصد في نقطة التفتيش العراقية المذكورة.
حتى نقدر حقاً كيف يمكن أن يكون ذلك قد حدث، من المفيد التدقيق في التقرير المذكور الذي حُجبت منه 56 صفحة، والذي نشرته القيادة الأميركية الوسطى. ولعل الشيء الأهم هو أن الجيش الأميركي أصبح على دراية باحتمال وقوع خسائر مدنية بعد تلقيه رسالة بالبريد الإلكتروني أرسلتها يوم 2 نيسان (أبريل) امرأة مجهولة، وزعمت فيها أن سيارتها السوداء الصغيرة من طراز “كيا سورينتو” 2011 -“والتي تكوَّن ركابها من سائق، وامرأتين وثلاثة أطفال”- دمرت عندما “ضرب صاروخ للقوات الجوية الدولية نقطة التفتيش”. وطالبت المرأة بتعويض عن سيارتها “لأنني فقدت كل أموالي وكانت هذه السيارة هي كل ما أملك… شكراً لاهتمامكم”.
مدفوعاً بهذه الرسالة الإلكترونية، أعلن أحد عناصر القيادة الأميركية أنه “لم يتلق مركز العمليات الفضائية والجوية 609 أي تقرير من مصادر المعلومات المفتوحة، والذي يؤيد وقوع هذه الخسائر المدنية، ويطابق موقع/ زمن هذه الضربة. لكن تقييماً لمصداقية الخسائر المدنية الأساسية استنتج أن مزاعم المرأة كانت موثوقة. ومن هناك، تم توجيه ضابط تحقيق “لإجراء مراجعة شاملة لما يدعى “رسالة الأهداف المشتركة” ودائرة عملية الاستهداف وإسناد المهمات، بهدف تقرير ما إذا كانت أي أخطاء قد وقعت أو ما إذا كان يجب إحداث أي تغييرات في الإجراءات”. وتم إجراء التحقيق في الفترة بين 22 نيسان (أبريل) والأول من كانون الثاني (يناير)، وتكوَّن من مراجعات كثيفة للتسجيلات الصوتية وتسجيلات الفيديو التي رافقت الضربة المعنية، وإجراء مقابلات مع جميع المشاركين.
يبين التحقيق كم كانت الأحداث في نقطة تفتيش “الدولة الإسلامية” قرب الحضرة روتينية في ذلك اليوم المشؤوم. كانت السيارة الكيا سورينتو السوداء وأخرى من طراز “جي. أم. سي” تقتربان من نقطة التفتيش، وتوقفتا على جانب الطريق، وبدأ ركاب السيارتين بـ”التفاعل والتصرف كما لو أنهم مرتبطون بعناصر نقطة التفتيش من (الدولة الإسلامية) لمدة 40 دقيقة، بينما مرت سبع مركبات أخرى عبر النقطة. وكان الشخص المسؤول عن منح الإذن النهائي بتوجيه الضربة هو مدير مركز عمليات الجو والفضاء المشتركة في قاعدة العديد الجوية، التي يشار إليها باسم “سلطة الاشتباك بالأهداف”. ويوضح الرجل أنه منح التفويض بمهاجمة أفراد نقطة التفتيش وبإسقاط قذيفة واحدة من نوع CBU-38 على كوخ الحراسة هناك. ومع ذلك، وعندما راجع طبيعة الهدف “لم تكن هناك عند أي نقطة مناقشة لمركبات تتصل بهذه الضربة”، كما أنه لم “يمنح السلطة لضرب أي مركبات”.
عند هذه النقطة، يصبح التقرير منقحاً وفيه حذف بشكل كبير، مما يجعل من المستحيل تقرير سلسلة المسؤولية بدقة. ومع ذلك، من الواضح أن الطيار، بعد المرور مرات عدة فوق نقطة التفتيش، طلب من سلطة الاشتباك بالأهداف تعديلاً بحيث يجري ضم السيارتين وجميع الركاب الأعداء، باعتبار أن السيارتين بدتا جزءا من نقطة التفتيش. وعندئد يقوم “رئيس الاستهداف الدينامي” بالتشاور مع “مدير معارك” غير مسمى، ويعدل شفهياً سلطة الاشتباك بالأهداف لتخويل قائد الطائرة بضرب المركبات. (تأخذ عملية التشاور والتعديل هذه كلها 80 ثانية فقط). ثم يقوم الطيار عندئذٍ بضرب “الركاب والسيارات” بشكل متكرر ويسقط قنبلة واحدة على كوخ الحراسة. ويقدر الطيار لاحقاً أن “زمن جولات الطيران كان من 3-4 ثوان، بدءا من الضغط على الزناد إلى الانتهاء من تحقيق التأثير”. وقرر ضابط التحقيق أنه “ليس هناك دليل على أنها لم تكن للطائرة أي فرصة لرصد المدنيين قبل الضربة”. وقد تقرر وجود طفل لاحقاً عن طريق محلل للصور، وأن “هيكل الصغير كان مرئياً لثانية واحدة تقريباً قبل جولات القصف”، وأنه أمكن تمييزه فقط عن طريق “إيقاف هذا الشريط وتكبير الصورة على شاشة كبيرة لاستخلاص المعلومات ثم قياس ارتفاع الظل”. وغني عن القول إن هذه الدرجة من المراجعة والتدقيق مستحيلة لدى قصف هدف متحرك.
وفي النهاية، يصل التقرير إلى الاستنتاج الحاسم، “وقوع الضحايا من غير المقاتلين = لم يتم الوفاء بمعيار الصفر (خسائر)”، لكنه يحجب تماماً تفاصيل “ثلاثة أخطاء في التنفيد أفضت إلى عدم النجاح في الوفاء بهذا الهدف”. ويستطيع القارئ أن يتساءل فقط عما كانته هذه الأخطاء وأي خطوات تصحيحية تم تطبيقها لضمان عدم تكرارها مرة أخرى. وبطريقة مثيرة للاهتمام، لم يتم الإفصاح أبداً عن هوية المرأة التي أرسلت بريد يوم 2 نيسان (أبريل)، ولم تجر أي اتصالات إضافية معها. وبذلك، لم يتم عرض أي تعويض مالي أبداً عن سيارتها الكيا المدمرة، ولم يُمنح أي تعويض لعائلات المدنيين الأربعة المقتولين. من يعرف ما إذا كان أي من العراقيين المتأثرين بالضحايا المدنيين قد أصبح أكثر تعاطفاً مع “الدولة الإسلامية” أو أكثر نفوراً من ضربات التحالف الجوية؟
سئل الرئيس باراك أوباما أخيراً بالتحديد عن مسألة “توسيع قواعد الاشتباك ضد (الدولة الإسلامية)”. وهو ما أجاب عنه بالقول: “إذا لم نكن حذرين إزاء الأمر… فإنك ستقوم عندئذٍ بتنفير نفس السكان الذين تحتاج إلى كسبهم، لأن هؤلاء في نهاية المطاف هم الأشخاص الذين سنحتاجهم لطرد الدولة الإسلامية، ومطاردتها على طول الطريق”. ويبدو أن الرئيس يدرك مخاطر الاستهداف الدينامي والأضرار الجانبية -ومع ذلك، تكذب حقيقة ندرة التحقيقات المعلنة أو المزاعم بوقوع تلك الأحداث الادعاء بوجود مشكلة حقيقية ومستمرة هنا. ولكن، دعونا نعيد تأكيد الحقائق: توجيه 8.300 ضربة جوية؛ تدمير 16.000 هدف للدولة الإسلامية؛ قتل أكثر من 20.000 مقاتل من التنظيم -وادعاءان اثنان فقط بوقوع خسائر جانبية. إما أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة جيد حقاً، حقاً، في القصف هذه الأيام، أو أن السائد هو إطلاق النار أولاً، ثم عدم طرح أي أسئلة عن نتائج ذلك فيما بعد.

*زميل رفيع في “مركز العمل الوقائي” في مجلس العلاقات الخارجية. ومؤلف “الفريق الأحمر: كيف تنجح عن الطريق التفكير مثل العدو؟”.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: The U.S. Air Campaign in Syria Is Suspiciously Impressive at Not Killing Civilians

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock