صحافة عبرية

حملة غزة

معاريف
بقلم: ران أدليست 24/9/2021

يعيدنا التغيير في رئاسة الشاباك- المخابرات الى السؤال الدائم: إلى أي مدى أسهمت الحرب ضد الإرهاب في إحباطه، وإلى أي مدى أسهمت في تخليده. هل يمكن العثور على درب ذهبي ما يوازن بين الحاجة للإحباط والحاجة للسماح بالهدوء الذي هو المفتاح للتسوية المستقبلية. هذا السؤال كان جذر النزاع بين دافيد بن غوريون وموشيه شاريت في فترة عمليات الرد وهو يرافق كل حروب إسرائيل منذ قيام الدولة. في واقع اليوم، هذا صدام بين احتواء العمليات ومحاولات إدارة عملية تسوية سياسية بالتوازي، وإحباطات وتوتر دائم يترافق وضحايا في الطرفين.
هذه الخلفية التي اختير عليها رئيس الشاباك الجديد الذي في وقت كتابة هذه السطور ما يزال يسمى ر. لا فكرة لدي عن آرائه. ومن ثرثرات ليد ثانية وثالثة ترتسم صورة نموذج جدي، مفكر، متوازن ورجل جهاز، أي برغي في آلة. غير أن يكون المرء رئيس جهاز هو أن يتحول من برغي الى دولاب أسنان والانقلاب من وضع ما يُرى من هنا لا يرى من هناك. آراء نداف ارغمان، ظاهرا، كانت قاطعة للغاية -إحباط، إحباط، إحباط. وإذا لم ينجح هذا شخصيا وعلى المستوى الصغير، فبالحرب إذن. وحسب رونين بيرغمان، فإن موقف أرغمان في موضوع غزة هو أنها اليوم العبوة الناسفة الأكبر، وهو أنه “في هذا الوقت محظور السير الى تسوية مع حماس”.
لا أدري إذا كان أرغمان يعرف متى يمكن السير الى التسوية، ورأيه هو أن “على إسرائيل أن تستبق وتبادر الى هجوم ضد المنظمة في معركة تقرر فيها إسرائيل متى تبدأ ومتى تنتهي”.
يبدو أن أرغمان لم يسمع عن أنه لعله يمكن أن نعرف متى تبدأ الحرب، ولا سيما عندما تكون أنت المبادر اليها، ولكن لا يمكنك أن تعرف كيف تنتهي. انظروا الى حروب كل إسرائيل التي لم تفرض علينا. حسب أرغمان: “عندما يكون عنصر المفاجأة في أيدينا… سيكون ممكنا البدء في إصابة الزعماء مثلما في حملة عمود السحاب (على الأقل يعترف هنا بأننا بدأنا مع الاستفزاز – ر.أ)، لأننا إذا لم نعمل الآن، فسنجد أنفسنا مردوعين مثلما حيال حزب الله اليوم.
وماذا تعرفون؟ ثمة من يعتقدون أننا نحن المردوعون منذ اليوم حيال حماس. هذا هو السبب الذي لا يجعل أي صاحب قرار ينقض على غزة. على مستوى التصريحات التبجحية فإن الجميع، من افيغدور ليبرمان وحتى بنيامين نتنياهو. من نفتالي بينيت وحتى بتسلئيل سموتريتش، فإنهم منذ زمن بعيد احتلوا القطاع، صفوا، هدموا وأسقطوا حماس. وعليه، فيجدر بأحد ما أن يشرح لأرغمان، الذي هو رجل عمليات صافٍ، بأن التسوية السياسية هي عملياتية بقدر لا يقل من عمليات تصفية أو حرب وهي أكثر نجاعة أيضا. يحتمل أن أرغمان لم يرغب في أن يدخل رأسا سليما الى سرير “السياسة” المريض. فالذريعة الدائمة والشعار الشاباكي هو أن الإرهاب (المقاومة) هو كارثة طبيعية وأن دور الشاباك هو قصقصته مثلما يقصقص العشب (أي البشر) وعندها الانتظار الى أن ينمو العشب مرة أخرى وبعدها قصقصته المرة تلو الأخرى، “الى أن تحقق الحكومة السلام”. هذا إما خطأ أو نية مبيتة. اسألوا كل مزارع يعالج العشب: كلما قصقصت أكثر فإنك حسنت العشب وبات أكثر حصانة.
الثمار السامة
جدير ومرغوب فيه أن يلحظ رئيس الشاباك الجديد الذي هو الآخر رجل عمليات، بأنه الى جانب قصقصة العشب، يوجد أيضا في هدنة ما احتمال للحل. فما يلزمه مثلا بأن يبدي مؤشرات اعتدال، تخفيف الحصار والتوصية بتحرير جارف للسجناء كجزء من التسوية. حتى لو كان هذا يتعارض مع مشاعر قسم من الجمهور ويمس بالقاعدة السياسية لرئيس الوزراء، ما يفترض التعاون مع جهاز الأمن، ليس فقط في العمليات بل وأيضا لغرض تنسيق النوايا التي هدفها التهدئة. لا معنى لأن توزع الإدارة المدنية العطايا في النهار وأن يدير الشاباك في الليالي صيد المشبوهين مع الجيش الإسرائيلي.
الشجاعة ليست فقط في إرسال كتيبة لاعتقال مشبوه، بل وأيضا لاحتواء المشبوه الى أن تتكتك القنبلة حقا. الشجاعة هي ليست فقط لإعطاء القناص رخصة لإصابة المتظاهرين، بل وأيضا لتوفير ورقة مهدئة للسياسيين تقول إن المظاهرات قرب الجدار هي مظاهرات قرب الجدار وليست بالذات انقضاضا على سيادة دولة إسرائيل. إن الضغط لتنفيذ أعمال رد بعد هجوم ناجح من ناحية الفلسطينيين ومأساوي من ناحيتنا هو ضغط سياسي (ما الذي سيقولونه في القاعدة وما البطاقة التي سيضعونها في صندوق الاقتراع). إن الدولة، الأمة والشاباك يفترض بهم أن يمتصوا وأن ينتظروا كي يفحصوا ما العمل وكيف. في السنوات الأخيرة نجح الجيش الإسرائيلي في التغلب على الضغط السياسي الذي مارسه نتنياهو ورفاقه ممن طالبوا بالثأر الفوري لإرضاء الرعاع. أما الآن فجاء دور الشاباك.
مأساتنا هي أن النشاط في الصيغة الحالية هو ضرر متواصل وحيوي على حد سواء لأمن إسرائيل. ظاهرا هذا تناقض، أما عمليا فهو الثمار السامة للواقع السياسي الأشوه. للجيش وللمخابرات الإسرائيلية لا مفر غير التغول على المناطق لأن الديمقراطية تلزمهما لإطاعة السياسة التي يهز فيها ذيل اليمين المسيحاني الكلب الائتلافي. الذيل في الحكومة السابقة كان المستوطنين، أما الكلب فكان ائتلاف الليكود، شاس والأصوليين والصهاينة المتدينين القوميين. أحد عاقل ما كان ليشك في أن لليكود، لشاس وللأصوليين أيديولوجيا على جثتي تمر سلامة كل ذرة في كل بؤرة استيطانية. هذه فقط سياسة كل ذرة في كل بؤرة تمنح الكتلة مبررا وطنيا ودينيا في وجه العلمانية الليبرالية لليسار، غير أن هذه ليست إرثا ملزما. للمستوطنين يوجد معتقد وإرث ملزم، وهم الذيل الذي من دونه ليس للائتلاف أيديولوجيا كفاحي للتباهي به.
إن نتيجة تطبيق أيديولوجيا المستوطنين من جانب حكومة اليمين هي احتكاك نازف، يهدد الانفجار لحملات وحروب وانتفاضات. النتيجة على الأرض هي تنفيذ متشدد لمنع المقاومة الفلسطينية، ما يتسبب باستمرار هذا الاحتكاك. أن نروي لأنفسنا “هم الذين بدأوا” ليس أكثر من تهرب من المسؤولية. نحن الدولة القوية في الحارة، ولحكومات إسرائيل توجد مصلحة في ألا تتغير سياسة ولا ذرة في أي بؤرة. بما في ذلك الإغراء بحرب ضربة واحدة وانتهينا. ما هو كفيل بأن يؤدي الى حرب الصاروخ بالصاروخ في منطقة مليئة بالصواريخ وإلى مشادة إقليمية تضم الضفة، القطاع، حزب الله وسورية.
وهذا هو تفسير مأساة اليسار والجيش الإسرائيلي: إمكانية أن تقع هنا حرب أكبر تستوجب أيضا من اليسار أن يؤيد الاحتفاظ بجيش قوي قدر الإمكان. سواء لمنع الحرب أم للانتصار فيها. إن وظيفة الرئيس الجديد هي أيضا أن يشخص شقوق الاعتدال التي يمكن عبرها التقدم الى أيام أكثر هدوءا. مع مصر استغرق هذا نحو عشر سنوات وآلاف الضحايا الى أن فهمنا بأننا يمكن أن نعقد صفقة تجلب السلام. مع منظمة التحرير الفلسطينية استغرق هذا نحو 20 سنة حتى اتفاقات أوسلو، ولكن عندها جاءت حكومات اليمين مع الذيل الذي يهزها. أفترض أنه مع حماس يمكن لهذا أن يستغرق بضع سنوات طيبة أخرى. يخيل أن الحكومة الحالية تطلق أصوات إدارة مختلفة للنزاع. نعيش ونرى أو نموت.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock