أفكار ومواقف

حنان عشراوي و”انتصارات” الحمقى!

منذ سنوات، أنحاز كثيرا لمقولات الروائي الإيطالي إمبرتو إيكو عن الخراب الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف أنها منحت الحمقى منابر لفضح ضحالتهم الثقافية وسطحيتهم الفكرية، ومن دون أن يخجلوا من عريهم أبدا.
أسوق هذا الكلام تعبيرا عن الشعور الذي دهمني حين تابعت تعليقات عديدة على استقالة الدكتورة حنان عشراوي من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. الصديقة رشا سلامة نبهتني للجدل الدائر حول الاستقالة، وحين قرأت بعض التعليقات رأيت كيف أن كثيرا منها حمل تعبيرات خارج سياق المنطق والواقع، وبعضها ارتكز على سخرية أو إقليمية بغيضة لا تجوز بحق قامة كبيرة مثل عشراوي.
في زمن الخراب والخواء واللايقين الذي نعيشه اليوم، قد لا ينجو أي شخص من التنمر، حتى لو استطاع تحرير القدس من جديد، ففي أزمان الهزيمة، نادرا ما تتحلى الشعوب بالمنطق، فهي إما تكون مستلبة لأعدائها، أو غارقة بتقديس ماضيها واستظهاره على أنه الحالة الوحيدة التي بنبغي أن تكون عليها، لذلك فهي تندمج أكثر في هزيمتها ما دامت لا ترى المستقبل أمامها، بل خلفها.
هذا أمر مفهوم، ولكن ما ينبغي ألا يكون مفهوما ولا مقبولا هو التنمر القائم على النوع الاجتماعي، أو من باب الإقليمية، أو حتى من باب المشاركة في «السباب» من دون أن يمتل ذلك المشارك أي أرضية موضوعية لمشاركته.
من الجيد أن حنان عشراوي لا تحتاج لشهادتي أو شهادة غيري، فتاريخها ليس مخفيا ولا غامضا، فقد بدأت العمل العام والنضال منذ عقود. كما أن من يسخرون منها أو يهاجمونها ينسون أنها تمتلك شهادة محترمة في الفلسفة من جامعة فيرجينيا في الولايات المتحدة، بينما بعض مهاجميها لم يكمل الخامس الابتدائي «ج»، وهو أمر يحار المرء في تفسيره، فكيف لأكاديمية مرموقة، ومناضلة معروفة بمواقفها الصلبة أن تتم مهاجمتها من سطحيين وحفاة عراة بلا أي منجز ولا ملامح!!
ومع ذلك، نذكر هؤلاء، أو نفتح عيونهم المغلقة على السبب الأساسي الذي حدا بعشراوي إلى تقديم استقالتها في هذا التوقيت بالذات، والذي يكمن، كما هو مرجح، بإعادة السلطة الفلسطينية قنوات التواصل والتنسيق مع الاحتلال العنصري الإسرائيلي، والذي ترى عشراوي أنه لا يخدم القضية الفلسطينية في هذا الوقت، بعد أن أوغل الاحتلال في تعديه على الحقوق الفلسطينية، وفتت ما كان يمكن أن يكون دولة فلسطينية مستقلة، وبعد اعتراف أميركي أرعن بالقدس عاصمة للاحتلال، وبالجولان جزءا منه، علاوة على محاولاته المتكررة بضم غور الأردن، وسعيه الدائم لتغيير الوضع القائم على الأرض في العديد من الأماكن في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة، من أجل فرض واقع جديد لا تستطيع تجاوزه أي تفاهمات مستقبلية، خصوصا ما يتعلق منها بالكتل الاستيطانية الكبيرة التي ينوي الاحتفاظ بها.
من مفهومها لجدوى العمل الوطني في ظل منظمة التحرير الفلسطينية في هذا الوقت، واحتجاجا على إعادة التنسيق مع الاحتلال، تقرر عشراوي أن تنسحب، وأن تطوي صفحة من حياتها في العمل السياسي. ولكنها أبدا لا تنسحب من ميدان النضال الذي أفنت فيه عشرات من سنوات حياتها.
إن شخصية مثلها اعتادت على القدوم بشكل يومي إلى جامعة بير زيت لكي تسهم في تسليح أبناء شعبها بالعلم والمعرفة، وأن تضعهم على الطريق نحو بناء الإنسان والوطن، لا يمكن لها الانسحاب من واجب مقدس كهذا، إلا إذا اعتبرنا أن هذا الميدان ثانوي ولا يمكن منحه علامة عالية!!
من المهم أن نؤكد هنا أن عشراوي شخصية عامة، وهي ليست فوق النقد. لكن ما نتحفظ عليه وندينه هو «سلطة الحمقى» على وسائل التواصل الاجتماعي، والذين لا يمتلكون المعرفة لممارسة النقد، بل ينطلقون فيه من الكبر والجهل والإقليمية. شافاهم الله!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock