ثقافة

حنا مينة.. نقاتل بالحب الذئاب التي تتوالد ولا تموت

 بيروت – في رواية حنا مينة الجديدة “الذئب الاسود” رمزية بينة وسيطرة للافكار بينما تبدو شخصياتها واحداثها وقد نسجت من اجل خدمة اهداف واضحة.


يصور مينة في عمله الجديد التعب والخيبات وشبه الملل الذي يعتري المناضلين خاصة في العالم العربي من اجل تغيير واقع حياة الانسان ويبدو كأنه في الوقت نفسه يدافع عن المناضلين القدامى المتعبين رافضا ادانتهم او اهمالهم كما تفعل احزاب وجماعات وداعيا الى تفهم احوالهم والافادة من تجارب هؤلاء الجنود القدامي الذين لم يتخلوا عن القضية بل سيطر عليهم تعب قاس.


في رواية الكاتب السوري اصطناع لاجواء الملاحم والاساطير القديمة وقد ركزت على مفاهيم ووقائع جديدة في الصراع بين الخير والشر. وحتى الاسماء في الرواية تبدو احيانا -على رمزيتها- كانها قديمة وصخرية جلمودية ومنها دغمش وصقرش والارقش الذي يذكر بارقش ميخائيل نعيمة.


   اما الصراع مع الفساد المتمثل بالذئب الاسود وذريته الآخذة بالتكاثر فليس امرا سهلا ينتصر فيه الخير بسرعة بل هو اقرب الى صراع ابدي والى نمط حياة ينتقل من الاجداد الى الآباء والاحفاد دون نهاية واضحة. كأننا هنا مع سعيد تقي الدين في حسابه العسير لنفسه بعد عمر من الكفاح.. عما انجزه وما كان عليه ان ينجزه في صراعه مع الشر الذي رمز اليه بدوره بحيوان خرافي هو “التنين”.. وتوصله الى مبدأ حياة من جهة وتعزية للذات من جهة اخرى في قوله “انا والتنين انها ليست نهاية الطريق الا نستطيع قتل التنين فليس المهم ان تصرع التنين.. المهم ان تصارعه.”


تبدأ الرواية مع دغمش الصياد المتعب يجلس في فيء صنوبرة هرمة. يردد الكاتب قول السيد المسيح “ايها المتعبون تعالوا الي وانا اريحكم.” ثم يضيف قائلا “دغمش الصياد متعب يتلمس الراحة في غابة الله البكر وبندقيته في حضنه.”


ثم يضيف كلاما كانه يقصد به “جامعة الغابات العربية” عوضا عن الدول فيقول “متعب دغمش الا انه مصمم.. لا بد من قتل الذئب الاسود الذي يعيث فسادا بل هو الفساد انتشر واستشرى وصارت له جراء سود لا يعرف عددها موجودة على نحو كثير او قليل في الغابات الاثنتين والعشرين التي مر فيها… بحث بدأب لا يعرف الكلل بين اجماتها عن عدوه وعدو الناس خارجا من بحثه بيقين انها تتوالد في القصور وتغير على الاكواخ ناهبة على جشع لا يعرف الشبع حتى كسرات الخبز التي يقتات بها الفقراء. وقد التقى في كل غابة صيادا يبحث مثله عن هذا الذئب ليقتله وبعد ذلك تجري تصفية الجراء واحدا بعد الاخر.”


   والعمل يجب ان يكون جماعيا وفي الغابات المختلفة كي يتحقق النجاح. و”دغمش تقدم به العمر لكنه من الداخل يمتلك عزيمة الشباب وقوتهم وبهذه العزيمة والقوة صمم نهائيا على قتل الذئب الاسود وتصفية الجراء مع الايام وعزاؤه وامله ايضا في الصيادين امثاله الذين يكافحون الذئاب السوداء كل في غابته… مما يجعل المهمة لا ينقصها سوى التوحيد وقد قال له صياد هرم.. عبثا يا زميلي السعي الفردي للقضاء على ذئاب غاباتنا فهي تتناسل في الظلام وعلينا اذا ما اردنا النجاح… ان نتوحد اولا وان نستنفر سكان الاكواخ لمعاونتنا ثانيا وان نطلق على الظلام ثالثا.”


ساله عما يقصد بالاطلاق على الظلام قائلا “ماذا في الظلام” فجاء جوابه “كل سوءة.” وساله كيف نقتل الهباء فقال له “في هباء الظلام اوكار الذئاب ومكانها معروف…” ولابد كذلك من العمل السري لا خوفا بل تقية اذ لا يمكن الكشف عن الغاية الا بعد الاستعداد الكافي والا انقلب الوضع على المناضلين. ودعا الى ان يتحد الصيادون لقتل الذئاب السود في الغابات الاثنتين والعشرين “فالذين يسمنون الذئاب السود متحدون فكيف نقابلهم متفرقين.”


    وبعد الاتحاد يجب “استنفار الذين هزلوا الذين لم يبق منهم سوى العظام … الذين اصفرت وجوههم ووجوه اطفالهم من الجوع. اننا مهما نجيد الاطلاق على الذئاب السود لا نستطيع قتلها والانتهاء منها.. كل ما نستطيعه امام تناسلها ان نكشف امرها. ان نجعل الناس يعون خطرها ويعرفون اصحابها بانتظار ذلك اليوم البعيد الذي يقضى فيه عليها.”


و يقول له الصياد “اننا نعذر من تعب… وندعوه الى الراحة ونعذر من اصيبوا بالاحباط.. كما نعذر الذين يئسوا والذين يرغبون في العودة الى بيوتهم واولادهم والذين ارهقتهم مطاردة الذئاب ولا نطلب منهم… سوى ان يعذرونا اذا لم نيأس ولن نيأس.” ودعا الى البحث عن “الصيادين الشباب لينضموا الينا… ولكن ان نلوم المتعبين فشيء لا فائدة منه… دعهم يستريحوا ودعنا نستفيد من تجاربهم وحكمتهم…” وهم في النهاية لن ينسوا “ان يضعوا بنادقهم في ايدي ابنائهم والابناء بدورهم يضعونها في ايدي ذراريهم.”


وسخر دغمش من فكرة الصبر والانتظار الى ما لا نهاية والتي تبدو لنا في الرواية اشبه بمرض شرقي. وفي هذه اللحظة انشد هدهد في الغابة “للظلم يوم وللمظلوم يومان” فردد اخر النشيد وثالث ورابع وغنت الغابة كلها “للظلم يوم وللمظلوم يومان.”


في الصراع الطويل مع الذئب الاسود لابد من الحب معينا ورافدا. ففي الصراع لابد عنده مما قاله كليب القتيل لاخيه الزير سالم “لا تصالح.” فهناك عدو اساسي. الحل ياتي كما وصفته شخصية اخرى هي بشير على الشكل التالي “هناك في البقعة الملتهبة عدو فرخ في الغابات الاثنتين والعشرين عدوا اخر هو الذئب الاسود. اننا نطارد هذا الذئب الاسود وستطول المطاردة وخلالها لابد الحب ما دمنا احياء وما دام الحب وقود حياتنا. والجنس الناجم عنه وحده قاهر الموت.”

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock