ثقافة

“حنين مؤجل” كتاب جديد لغسان عبدالخالق يعاين فيه منهج إحسان عباس النقدي

 


عمان-الغد- يرى د. غسان عبد الخالق في كتابه “حنين مؤجل” الصادر عن دار أزمنة للنشر والتوزيع، أن كتاب الراحل دكتور إحسان عباس “تاريخ النقد الأدبي عند العرب” قد جمع كتباً عديدة في كتاب واحد, ولخص منهج صاحبه على امتداد عقود عديدة.


ويلفت إلى أن تأليف الكتاب استغرق خمسة عشر عاماً (1956-1971 تقريباً) وظل يصدر في طبعات متوالية، من دون تغيير يذكر حتى العام 1993، حيث صدر في طبعة “جديدة ومزيدة ومنقحة” عن دار الشروق بعمان, استوفى فيها الراحل بعض ما كان ينقص الطبعات السابقة من حيث الترتيب والمساحة والشكل.


ويضيف أن الكتاب جاء على درجة كبيرة من الاهمية من حيث المنهج والمضمون, حيث نقل المقدمة من أول الكتاب إلى آخره، وجعلها نظرة ختامية في صورة التطور النقدي وقضاياه الكبرى، لأنها تمثل فعلاً خلاصة بحثه المستفيض في تاريخ النقد الأدبي عند العرب، واستبدل بهذه المقدمة مقدمة جديدة حول “الشعر العربي بين الإلهام وكد القرائح”.


ويقول عبد الخالق إن المدقق في “تاريخ النقد الأدبي عند العرب” لن تفوته ملاحظة أن الفصل الاول من الكتاب والذي أفرده لتقديم نظرة عامة في “قواعد النقد” حتى أواخر القرن الثاني الهجري، ما هو إلا استعادة لروح ومواضعات النقد العربي في أواخر العصر الجاهلي، بل إن جانباً كبيراً من الجهود النقدية عند العرب حتى في القرون المتأخرة ظل يمثل استعادة لتلك الروح والمواضعات استطراداً أو مقارنة أو تأسيسا‌ً.


ويتوقف عبد الخالق عند تمسك إحسان عباس بالعنوان الفرعي لكتابه نأياً بنفسه عن التعميم الذي قد لا تساعد مساحة الملاحظات التي ساقها على إطلاقه، وسوى ذلك فقد زاد في طبعة الكتاب المزيدة والمنقحة، فصلاً عن أبي اسحاق الصابي ورسالته في الموازنة بين النظم والنثر والناظم والناثر لم يكن قد وقف عليها عندما بدأ بتأليف الكتاب، وذلك في معرض كلامه على جهود أبي حيان التوحيدي.


كما يتوقف عبد الخالق عند ما أجراه الراحل من تعديلات على الفصل الخاص بجهود ابي العلاء المعري مع بعض التوسع، وإعادة النظر في جهود تلميذه ابن سنان الخفاجي، إضافة إلى استدركه في الطبعة المزيدة لجهود لسان الدين بن الخطيب، لافتا إلى إنه كان قد اكتفى في الطبعات السابقة باختتام الكتاب بجهود معاصره ابن خلدون الذي تمثل آراؤه في نقد الشعر بعض جهوده، فيما تمثل جهود لسان الدين بن الخطيب في هذا الصدد جهداً رئيساً.


ويلفت عبد الخالق إلى التعريفات الكلاسيكية التي يتم تداولها على نطاق واسع بين الاسلوبين قولهم “الأسلوب هو الرجل”، مبينا أن القول هو من أدق الاقوال التي يمكن أن توصف إحسان عباس منهجاً وشخصاً، فقد أفاد إفادة واضحة من العديد من المناهج النقدية الموضوعية وتمثلها حتى طبعت تفكيره العام والخاص، كما سلط هو عليها قدراً كبيراً من مناقبه الذاتية فطبعها بطابعه الشخصي إلى الحد الذي قد يصعب معه القبض على هوية منهجه النقدي العام، أو التأثير على المؤثرات النقدية الثانوية التي رفدت أو شكلت هذا المنهج.


ويقول عبد الخالق إن شخصية عباس النقدية هي الأكثر حضوراً والأكثر فاعلية في نصه النقدي وليس العكس، لانه لا يسمح لبحر المعلومات والوثائق الذي يسبح فيه بأن يجرفه باتجاه غير الاتجاه الذي يمثل بالنسبة له حصيلة الاستقراء والتركيب والتحليل فالاستنتاج.


ويضيف عبد الخالق أن احسان عباس يعبر أكثر من مرة عن هذه القناعة بضرورة تمتع الناقد ببعض المناقب الشخصية، مثل الذكاء الحاد والجرأة والقدرة على الاحساس بإيقاع العصر، علاوة على ضرورة تمتعه بذخيرة معلوماتية وافرة، رائيا أن هذه المناقب عند إحسان عباس هي التي يمكن أن تطلع ناقداً متميزاً مفارقاً لغيره من النقاد.


ويرى عبد الخالق أن هذا الاسلوب هو أكثر ما ساعد عباس على تلخيص تاريخ النقد الأدبي القديم عند العرب في مجلد واحد بدلاً من مجلدات عديدة، من دون أن نشعر بانه تجاهل قضية او علماً او عصراً.


ويؤكد عبد الخالق أن اسلوب الرجل الذي يصعب في الواقع فصله عن منهجه، يمهد لنا الطريق للتأثير على إبرز الملامح النقدية التي ميزت منهجه النقدي في كتاب “تاريخ النقد الادبي عند العرب”.


ويقول “لو لم يكن إحسان عباس ناقداً لكان مؤرخاً!! وهذه حقيقة يعرفها كل من عرفه عن قرب، وقد أفصح هو عنها في أكثر من مناسبة. ولعل اتجاهه إلى تحقيق بعض مصادر الموروث ذات الطابع التاريخي مثل “وفيات الاعيان” و “الوافي بالوفيات” قد تم تحت وطأة هذا الشغف بالتاريخ. لكن الفرصة لإشباع هذا الشغف أتيحت له كاملة عبر مشروع تاريخ بلاد الشام الذي حظي منه بمؤلفات أعدها فيما صنف على هذا الصعيد.


ويضيف عبد الخالق أن إحسان عباس ظل مصرّاً على إثبات كلمة “تاريخ” النقد الادبي.. الخ، طوال أربعة عقود، مع أن الكتاب هو ابعد ما يكون عن التاريخ التقليدي المتعارف عليه.


ويقول إن شغف إحسان عباس بابن خلدون وبمقدمته علاوة على استيعابه البالغ لهما، جعله قادراً على فهم التاريخ فهماً كيفياً وليس كمياً. فالتاريخ بالنسبة له ليس مجرد سرد متواصل للسنوات والوقائع، بل قدرة على انتقاء المحطات المتميزة والأشخاص المميزين، ولذلك فهو لا يغرق في تعداد كمي لكل من عاش في هذا القرن أو ذاك، كما انه لا يغرق في الترجمة للأشخاص الذين يقع اختياره عليهم، وإنما يتجه مباشرة إلى إبراز وجه العلاقة بينهم وبين سابقيهم، ثم إلى إضافاتهم التي استقلوا بها عن غيرهم.


ويشير عبد الخالق الى معرفة إحسان عباس الواسعة بخارطة المعرفة الموروثة، التي هيأت له فرصة إدراك التداخل الكبير والمعقد بين المكونات الثقافية لكل ناقد عربي قديم على حدة، ولذلك فهو لم يطمح في هذا الكتاب إلى الكشف عن آراء النقاد من الناحية الجمالية فحسب، بل سعى جاهداً للكشف عن الجذور الفكرية لهذه الآراء، فجاء كتابه تأريخاً للآراء النقدية وللمؤثرات الفكرية الفاعلة في هذه الافكار.


وينوه إلى أن الدكتور احسان عباس يعد من أكثر النقاد العرب المعاصرين الذين أسسوا لهذه الوجهة في البحث النقدي وألحوا عليها إلحاحاً شديداً، مقابل تلك الوجهة من البحث في الموروث النقدي الأدبي التي لم تفعل أكثر من أنها لامست السطح البارز من هذا الموروث، ولم تعن كثيراً بسبر طبقاته المتراكمة العميقة.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock