أفكار ومواقف

حوادث السير: عام كارثي

تصدرت أخبار حوادث السير مؤخرا عناوين وسائل الإعلام المختلفة، حيث لا تمر ساعة إلا وتأتينا الأخبار العاجلة التي تفجعنا بإعلانها عن وفيات أو إصابات في مختلف محافظات المملكة، لتتوالى حصيلة الخسائر في الأرواح، وهو أمر يشكل استنزافا كبيرا للإمكانيات المالية والبشرية، ولم يعد السكوت عليه ممكنا؛ كونه تحول إلى ظاهرة تتعدد أسبابها، فيما نحن مكتوفو الأيدي أمام إيجاد حلول لها مهما كانت قساوتها.
تغليظ عقوبات مخالفات السير، والحملات التوعوية والإرشادية الكثيرة التي نفذتها الجهات المعنية على مدار السنوات الطويلة الماضية لم تؤتِ أُكُلَها، ولم نجنِ ثمارَها، ويبدو أنها لم تعد السبيلَ الوحيد للنجاة من طرق الموت التي تسير عليها مركبات المواطنين، إذ يبدو أن المسؤولية لا تقع وحدها على جهة معينة من أطراف المعادلة المرورية.
لا شك أن الشوارع، خصوصا الخارجية باتجاه الجنوب، لا تساعد على حماية أرواح العابرين عليها، وأعمال التحديث عليها زادتها سوءا، ولم تَحُلْ دون وقوع حوادث. لكن اللافت للنظر أن هناك زيادة في أعداد الحوادث المميتة في باقي المحافظات، وفي شوارع عمان التي تعاني من اكتظاظ مروري قاتل بشكل لا يسمح للسائقين بالسير بسرعة عليها، تتنوع بين الدهس والاصطدام والانقلاب.
وما يلفت النظر، أيضا، أن هذه الحوادث يمكن تجنب أغلبها، خصوصا تلك التي تكون بالاصطدام بأعمدة الإنارة، وما أكثرها هذه الأيام، والعقل يقول هنا إن سببا مثل هذا النوع من الحوادث هو أن السائق يستخدم هاتفه أثناء القيادة، حيث أن كل ما يحتاجه ليفقد السيطرة على مركبته هي ثوان قليلة، وتكون النتيجة حتمية إما الموت أو الإصابة الخطيرة.
العام الماضي شهد انخفاضا في أعداد الوفيات جراء حوادث السير بـ571 وفاة، مقارنة بـ685 العام 2017، وشكل ذلك منجزا كبيرا بعد أن سجلنا في الأعوام التي سبقت الترتيب الثالث على مستوى العالم بنسبة الحوادث، لكنّ المعطيات والأرقام التي تسجل حتى هذه اللحظة تشير إلى أننا مقبلون على عام كارثي- لا قدر الله-، إذا لم يكن هناك معجزة تحول دون ذلك.
وِفقَ الإحصائيات الأولية لهذه الحوادث فإن النسبة الأكبر من ضحاياها هم من الشباب، وهذه الفئة هي الأكثر فهما ووعيا وإدراكا لخطورة التهور على الطرق، لكن الواقع يقول عكس ذلك، ومن هنا يجب البدء بمعالجة الظاهرة عبر استهداف هؤلاء الشباب بشكل مباشر، سواء عبر إجبارهم على أخذ دورات تدريبية أو توعوية أو تغليظ العقوبة عليهم، أو عبر التشدد في منح رخص القيادة، أو عبر وضع نظام قد تصل عقوبته إلى سحب رخصة القيادة منهم وحرمانهم من الجلوس وراء المقود، فالاندفاع الذي تمارسه هذه الفئة على الطرقات لا تقتصر خطورته عليهم وحدهم، وإنما على من حولهم.
لا يمكن التسليم والقبول بخسارة تلك الأرواح بكل هذه البساطة والسهولة وتجرع الألم خلف الألم، فلا بد من مخرج من هذه الأزمة، إذ أن المسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية بضمان سلامة المواطن على الطرقات وبين مرتاديها، ومن دون أن يؤدي كل طرف ما عليه تكون النتيجة حتما مؤلمة لا نقوى على تحملها، فاحترام الطريق أمر لا مناص منه ولا تهاون به، وليس بعاقل من لا يفعل ذلك.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock