أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

حوار اقتصادي مسؤول

سلامة الدرعاوي

قامت الدنيا وقعدت على تصريح وزير الداخلية في لقائه مع الصناعيين في محافظة إربد بأنه هناك أربع رفعات قادمة لأسعار المحروقات، والنقد ذاته وجه لوزير الطاقة بأن حتى لو انخفضت أسعار النفط فإن الحكومة مضطرة لزيادة أسعار المحروقات لأربع مرات متتالية حتى تعوض خسائر الخزينة التي ثبتت أسعارها في الشهور الأربعة الأولى من هذا العام. الحقيقة أن المواطن لا يقبل بمثل هذا الحديث ويعتبره مستفزا له، وهناك الكثير من الجهات التي تتلاعب باحتياطيات المواطنين المعيشية وتوظفها لإثارة الرأي العام من خلال اختلاف أسباب الارتفاعات وتحميلها بشكلٍ كامل للحكومة على اعتبار أنها هي من يقرر أسعار السلع عالميا.

حوار الطرشان الحاصل في المجتمع الأردني حول أسباب الأسعار هو نتيجة منطقية لغياب الحوار العقلاني المسؤول الذي يعطي الحقائق ويوجه المستهلك للبدائل وينمي من وعيه تجاه ما يحدث في الأسواق بعيدا عن الشعبويات التي ملأت الشارع وسيطرت على المشهد العام.

أمام حرب الأسعار العالمية وجنون ارتفاعها الذي لا يوجد ما يوحي بالأفق القريب أنها ستنخفض أو تتراجع، فهل من وظيفة المسؤول أن يقول غير الحقيقة أو يجامل في الأمن المعيشي للمواطنين بتزويدهم بأوهام لكسب الشعبية؟.

الحكومة مطالبة بحوار جريء مع الشارع من خلال أدوات ذات ثقة وهي للأسف غير موجودة حاليا في الوقت الراهن، فكل الأدوات الحالية من مؤسسات رسمية وأهلية على حد سواء لا تتمتع بالثقة المطلوبة لدى الشارع، وعلى رأسهم الإعلام بكل أدواته وأشكاله.

هذا المشهد مؤلم، لأن المواطن في النهاية هو من يدفع ثمن غياب الحقيقة عنه، ويبقى تحت سيطرة وتوجيه كل من يرعب بالتلاعب بأمن البلد أو يسعى لتحقيق مصالح شخصية من خلال إثارة الاحتقان وزيادة منسوب الاستياء لدى الموطنين.

لا أدري، هل يشعر المواطن بالراحة إذا خرج عليه المسؤول وزور في الحقيقة وقال له إن الأسعار ستنخفض وهي غير ذلك على أرض الواقع؟.

للأسف مشهد محزن ما آلت إليه أمور الحوار وقضايا المجتمع نتيجة لغياب المنطق والمسؤولية، فالاتهامات والتخوين هي سيدة الموقف في الحوار الجاري في المجتمع.

نحتاج لبناء حوار قوي ومنطقي بين الحكومة وفاعليات المجتمع بعيدا عن الشعوبية حول القضايا الاقتصادية الرئيسة، وبعيدا عن المصالح الشخصية التي يخفيها الكثير ممن يثيرون قضايا الأمن المعيشي ويحسنون توظيفها.

اليوم نشهد حربا عالمية في الأسعار لا أحد يعرف متى ستنتهي، وتداعياتها لا شك ستكون وخيمة على المجتمعات خاصةً تلك التي تستورد معظم احتياجاتها من الخارج، ومعدلات التضخم مع مرور الأيام ستكون أعلى بكثير من التي عليه الآن، فما هو المطلوب لحماية المجتمع من هذا المشهد المؤلم؟

مطلوب مبادرة حكومية في ضبط الإنفاق بشكل حقيقي في سلوكياتها المختلفة، وهذا أمر طبيعي ومنطقي في ظل تنامي الضغوطات المالية على الخزينة والاقتصاد الوطني، ويكون ذلك بإعادة تبويب نفقاتها سواء التشغيلية أو الرأسمالية، فالظرف الراهن يقتضي إعادة النظر في كل ما يمكن أن يشكل هدرا للمال العام ولا يحقق قيمة اقتصادية مضافة وهي مجالات كثيرة خاصة في بند النفقات الرأسمالية ومجال التعيينات الخفية التي تحدث هنا وهناك.

هذا الأمر يجب أن يكون مصحوبا بحزمة مالية حكومية لتعزيز الأمن المعيشي للمواطنين من خلال نشاطات صناديق التنمية الاجتماعية والمعونة والدعم المباشر للأسر الفقيرة، وذلك كله لوقف النزيف الحاصل في دخول المواطنين.

بالمقابل، يجب أن تبدأ الحكومة أيضا بحوار مسؤول ومكاشفة حقيقية مع الشارع حول حقيقة الوضع وأن لا ترفع سقف التوقعات وتعطي الصورة الراهنة بشكل واضح وصريح حول التحديات التي تعصف بالاقتصاد الوطني والفرص الواعدة فيه بكل شفافية مصحوبا ذلك بسلوكيات ترتكز على تعزيز مبدأ سيادة القانون والشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد.

بالمقابل هناك دور مسؤول من قبل مجلس النواب ومؤسسات وجمعيات حماية المستهلك في تعزيز حوار مستقل مع مؤسسات الدولة الرسمية وفق مبدأ المسؤولية المشتركة تجاه الواضع الراهن وكيفية المساهمة من قبل الجميع في تعزيز الاستقرار.

نحن في حالة حرب لكنها من نوع آخر، لا يجدي الصراخ الراهن في المجتمع، الجميع مطالب بحوار مسؤول وعقلاني حتى نتمكن من مرور هذه الحرب بأقل الخسائر.

المقال السابق للكاتب 

مبلغ مقطوع لكل أسرة

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock