أفكار ومواقف

حوار سعودي- إيراني سيكون مسعى مرحباً به

رشَحت مؤخراً أخبار عن لقاءات سعودية-إيرانية، بوساطة عراقية، لبحث مسائل متعلقة باليمن وما شابه. لكن مسؤولي البلدين سارعوا إلى تكذيب هذه الأخبار. ولو كانت هذه المحادثات حقيقية لكان ذلك خبراً سعيداً للمواطنين العرب، على أمل التوصل إلى تفاهمات تنزع فتيل التوتر الأكثر تهديداً بين الجارتين الكبيرتين.
العنوان المطروح للخصومة بين البلدين هو التنافس على قيادة العالم الإسلامي. ويتفرع عنه السؤال عمن يجب أن يسود، السُنة أم الشيعة، على أساس أن هناك تناقضاً أساسياً بين الطائفتين المسلمتين. لكن هذه القسمة تتنكر لكل المشتركات العقائدية الأساسية بين الطائفتين وتبرز الاختلافات كمبررات للعداوة الضارية بينهما. وكما هو معروف، كانت الاختلافات القديمة– والجديدة- متأسسة في صراع سياسي دنيوي على السلطة، ولم تكن هذه القسمة في أي يوم في مصلحة نقاء وروحانية الدّين ولا سلام الناس في الدنيا.
في العقود الأخيرة، أدى استدعاء الاختلاف الطائفي فقط إلى تأجيج مشاعر المسلمين من الطائفتين والتسبب في الكراهية والعنف اللذين لا يخدمان أحداً. ومن المؤكد أن تفاهماً بين الدولتين اللتين تمثلان الطرفين على المسائل العملية وتحقيقهما درجة من الاطمئنان على مصالحهما سيعيدان الاختلافات الهامشية في العقيدة الواحدة إلى مكانها الطبيعي في الهوامش. ولا ينبغي أن يكون هذا السلام الداخل-إسلامي تصوراً بعيد المنال لأنه كان هو واقع الحال قبل بضعة عقود فقط، حين لم يكن يُسمع الحديث عن سُني/ شيعي تقريباً. لكن هذا الاختلاف استدعي للإضرار بالجميع وتوتير الإقليم، على أساس مبدأ الإمبراطوريات المعروف، “فرّق تسُد”.
ثمة أطراف لن يعجبها احتمال الوصول إلى تسوية بين السعودية وإيران. لن يعجب ذلك بالتأكيد الكيان الصهيوني الذي استفاد من العداوة الجديدة بين العرب وإيران أكثر مما تصور في أبعد الأحلام. فقد نقلت هذه الخصومة الجديدة التناقض الرئيسي من كونه بين المنطقة والغزاة الصهاينة الغرباء والعدوانيين إلى استقطاب دموي بين المسلمين وسكان المنطقة الأصليين أنفسهم. وذهبت القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي إلى الهوامش. بل إن العلاقة مع الكيان أصبحت تعرض كنقطة خلاف أساسية، حيث يقول الإيرانيون أنهم يعاملون بعداء بسبب موقفهم من “إسرائيل” وإصرارهم على تحرير القدس وفلسطين. وينبغي أن يؤدي إصلاح العلاقة بين العرب وإيران إلى إعادة نظر في المحاور التي تشكلت على أساس المشتركات والافتراقات المتصورة مع إيران والكيان.
وهناك الولايات المتحدة، التي لم تفعل أي شيء لإنهاء أي صراعات في الإقليم، على الرغم مما يقال عن إنهاكها ونيتها الانسحاب منه. إنها لم تحل حتى الصراع الفلسطيني والعربي الأساسي مع الكيان على أساس الحد الأدنى الذي قبله الفلسطينيون والعرب والعالم، وهو ما كان كفيلاً بإطفاء أكبر سبب لإشعال المنطقة. ولم تحاول جمع العرب مع إيران، أو مع تركيا، أو مع بعضهم البعض بقصد تسوية الخلافات. ومن الواضح أن الفكرة هي إبقاء الجميع منشغلين وخائفين وفي حاجة إلى حماية الخارجيين مقابل التبعية واستنزاف الموارد في سباقات التسلح. وبشكل أقل وضوحاً، لن يرتاح المستفيدون الآخرون الذين يتيح لهم توتر المنطقة موطئ قدم فيها، مثل الصين وروسيا وبقية دول المركز الأوروبي.
في الحقيقة، يصعب العثور على مكسب واحد يجنيه عربي أو مسلم من العداوة السنية- الشيعية المضخمة. وسوف يوفر اتفاق على الاحترام المتبادل لمصالح العرب والإيرانيين – والتعاون في أي مكان ممكن- على الطرفين الموارد التي تُهدر في الصراع، سواء على رعاية الوكلاء أو المغامرات الخارجية والحروب بالوكالة المكلفة، أو الاضطرار إلى تعميق التبعية والحاجة إلى الخارجيين الكبار الذين لا يضمرون خيراً لأحد في هذه المنطقة.
بعد ذلك، يمكن أن تسعى السعودية وإيران إلى نوع من النفوذ الحميد: تأمين الصداقات والتحالفات والتأثير بالمساعدة على توطيد سلم الجميع وتلبية حاجاتهم وخطب ودهم بالحسنى. وتعرض الصين نموذجاً لذلك بسعيها إلى النفوذ الناعم– ولو أنها تُنتقد حتى على ذلك باعتبار أنها ماكرة وليست قاسية بسفور مثل الغربيين.
سوف يفرح ذوو النوايا الحسنة ومحبو السلام في المنطقة والعالم بأخبار عن حوار سعودي-إيراني بنية حسنة. وستكون أي محاولات مخلصة لوأد الخصومة بين الجارتين وحقن دماء المسلمين وتوجيه طاقاتهم ومواردهم إلى ما هو أنفع موضع ترحيب لكل حريص على الدين والدنيا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock