أفكار ومواقف

حوار مع السيد يسين: هل نحن أمة منتصرة إذاً؟

      في حوار تلفزيوني غني وممتع مع الصديق الأستاذ السيد يسين في القاهرة على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب سألته عن المحاور والأفكار الواردة في آخر كتبه “الإصلاح العربي بين الواقع السلطوي والسراب الديموقراطي”, الذي هو مجموعة موسعة من مقالاته وأبحاثه المنشورة في الأهرام والحياة وغيرهما. السيد يسين علق على الحوار في مقال مطول في “الاتحاد” الظبيانية و”الأهرام” القاهرية بتاريخ 10 شباط (فبراير), بعنوان “هل نحن فعلاً أمة مهزومة”؟ متناولاً تساؤلاً ورد في المقابلة حول فيما إن كنا أمة مهزومة أم لا أمام الولايات المتحدة.


ورد ذلك التساؤل بعد أسئلة سابقة حول التدخل الأميركي في فرض الديموقراطية وإقامة نظم حكم موالية للغرب في المانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية, ولم لا نتوقع أن يحدث نفس الشيء في العراق. كان رد السيد يسين أن اليابان والمانيا كانتا مهزومتين ولذلك سهل على الولايات المتحدة أن تقوم بما قامت به. عقبها سألت السيد يسين, ألسنا أيضاً أمة مهزومة؟ ورد بالنفي وقال لو كان الأمر كذلك فلانتهى الأمر ولأصبحنا ضحايا, لكن نحن أمة عندها مقومات واعدة, ولدينا مثقفون يضغطون على السلطات للقيام بالإصلاح والمشاركة السياسية وتغيير البنية السلطوية إلى بنية ديموقراطية (نص الحوار موجود على موقع الجزيرة نت, برنامج “الكتاب خير جليس”).



      في مقالته المشار إليها يتوسع السيد يسين في نفيه للتساؤل فيما إن كنا أمة مهزومة أم لا. وهو قبل ذلك يستطرد في شرح موقفه ورده على أسئلتي حول أسباب معارضة التدخل الأميركي في محاولة فرض الديموقرطية على العالم العربي, بما يوحي ومن غير قصد وكأنني أحمل عكس موقفه. طبعاً لا يقل عنف رفضي لذلك التدخل عن عنف رفض السيد يسين ولذات الأسباب التي ساقها وكتب فيها وكتبت فيها في الدوريات العربية والإنجليزية. كما أن عرضي وطرحي لحجج الرأي الآخر هي أوليات ما يفترضه علي دوري وموقعي كمحاور له حول كتابه. على كل حال, ما هو مهم فكرياً في مقالته ويحتاج فعلاً إلى حوار وتأمل هو مسألة أننا أمة مهزومة أم لا. في المقالة المذكورة يقول السيد يسين إن مزاج اليأس والقنوط والشعور بالهزيمة يجتاح المثقفين العرب رغم البطولات اليومية للشعب الفلسطيني في الانتفاضة ورغم المقاومة العراقية الشرسة ضد الاحتلال الأميركي. ثم يقول لماذا نركز فقط على الجوانب السلبية في مجتمعاتنا العربية ولا نرى الاشياء الإيجابية مثل “المحاولات الجادة للتجدد عند العديد من المجتمعات العربية المعاصرة‏,‏ وخصوصا فيما يتعلق بمحاولات التكيف مع تحديات العولمة بكل جوانبها السياسية والاقتصادية والثقافية والاتصالية؟” … ثم يشير إلى أن دعوات الإصلاح الداخلية تنم عن عدم هزيمة أيضاً “لقد ارتفعت الدعوة للإصلاح السياسي العربي نتيجة ارتفاع مطالب الداخل في المقام الأول بالإضافة الى الضغوط التي يمارسها الخارج‏.‏ وهذه نقطة أساسية ينبغي أن نركز عليها‏”.   ويضيف متسائلاً: “… لماذا إذن لا نولي وجوهنا ـ بدلا من اليأس ـ الى محاولات الاصلاح الاقتصادي العربي حتى نستطيع ان نكون منافسا في عصر العولمة؟ ولماذا لا نهتم بتتبع عديد من المشاريع الثقافية التنويرية التي تكافح ببطولة تيارات الفكر الخرافي؟ … لماذا لا نركز على إقبال الشباب العربي على الالتحام بالثورة الاتصالية الكبرى وفي قلبها شبكة الانترنت؟ أنا أعلم يقينا أن تيارات اليأس من الإصلاح أصبحت سائدة‏,‏ نتيجة لممانعة النظم السلطوية العربية في الإقدام بجسارة على السير في طريق الاصلاح السياسي‏,‏ ولكن تبقى أمام المثقفين العرب مهام جسيمة‏.‏ لعل أهمها هو التشخيص الدقيق للسلبيات‏,‏ ومحاولة رسم ملامح محددة لرؤية استراتيجية للمجتمع العربي نرجو لها أن تتحقق بعد عقدين أو أكثر من الزمان‏.  بعبارة أخرى بدلا من التسليم بأننا أمة مهزومة فلنؤكد أننا أمة لديها امكانات بشرية هائلة‏,‏ تحتاج في الواقع الى رؤية بصيرة للتجديد والنهوض‏.‏”



        القلق الذي يبديه السيد يسين من أن التوقيع المفتوح على مقولة “نحن أمة مهزومة” وبانطوائه على قدر كبير من إشاعة القنوط واليأس هو قلق مفهوم. لكن ذلك لا يغير من الحقيقة الصلدة والمرة شيئاً. والمظاهر التي أوردها للتدليل على أننا أمة ليست مهزومة مظاهر ثانوية ولا تغير من الصورة العامة للهزيمة رغم أنها تحاول تحسين شروطها. لكن لماذا يكون هناك إصرار في إثبات أننا أمة مهزومة أصلاً؟ في الواقع ليس هناك أي إصرار في هذه السطور على ذلك, كل ما هو مطلوب هو أن نشخص وضعنا التاريخي بدقة وبلا عاطفة ومن دون الاستناد إلى تفكير التنميات أو التلويح بالمستقبل الغامض. ما نريد فهمه هو الحاضر وكيف نخرج من تخلفنا وهزيمتنا فيه. إذا فهمنا إحداثيات وضعنا الحضاري الراهن نستطيع أن نتعامل معه بعقلانية الخروج من الهزيمة, لكن إذا نظرنا إلى هزيمتنا على أنها انتصار وأننا أمة منتصرة فإن خروجنا من الهزيمة سيطول. قلب الهزيمة إلى نصر هو تكتيك سلطوي لا ثقافي وقد دمر آمال وطموحات أجيال ما بعد الاستقلال لذلك كانت تُصاب بالإحباط عندما تكتشف الواقع المر: واقع الهزيمة. آن الآوان لأن نسمي الأشياء بأسمائها: لو كنا منتصرين لما وقعنا كامب ديفيد, ولما وقعنا أوسلو, ولما وقعنا وادي عربة. لو كنا منتصرين لما جاءت الجيوش الأميركية تجوس في طول وعرض بلداننا.



      كيف يمكن أن نكون أمة منتصرة وهزائمنا العسكرية في هذا القرن لا تعد ولا تحصى. كيف نكون أمة غير مهزومة وأنظمتنا وسيادتنا السياسية مسيطر عليها من قبل القوى الأجنبية, ومواردنا الاقتصادية مسيطر عليها من القوى الخارجية, وثقافتنا واجتماعنا مسيطر عليه من قبل “الفكر الخرافي” الذي يشير إليه السيد يسين, وحدودنا مع بعضنا البعض مقطعة, وتبادلاتنا التجارية في نقطة الصفر, ومشاريع تكاملنا تسير إلى الوراء, والمميز الأهم والأشهر علينا في دول العالم الآن هو ترسخ استبدادنا وانحطاط أنظمتنا السياسية ودكتاتوريتها التي لا تزحزحها مؤتمرات المثقفين التي يشير إليها الصديق يسين. كيف لا نكون أمة مهزومة وكل ما قد يقع تحت مسمى “طاقاتنا الواعدة”, من أدمغة أو رساميل مالية أو مشروعات ناجحة, إما مهاجرة أو برسم الهجرة تنتظر اللحظة المناسبة. ماذا تفعل مئات المليارات العربية التي تُستثمر بعيداً عن أوطانها لو كانت هذه الأوطان منتصرة أو حتى شبه منتصرة وغير طاردة للخيرات فيها: عقولاً وأموالاً.



      كيف لا نكون أمة مهزومة وسياستنا وثقافتنا واجتماعنا وبيئتنا تسمح بتوالد مستمر للدكتاتوريات والتوريث ليس فقط عند الأنظمة الحاكمة بل وعند الأحزاب المعارضة على حد سواء. وهي ذاتها تسمح بنمو مخيف في الفكر المتطرف والتكفيري والمدمر الذي يهشم الذات في طريقه المزعوم لتهشيم الآخر. وإذا لم نكن أمة مهزومة فكيف نسمح لأساطيل القوى الخارجية وقواها بأن تسرح وتمرح في بلداننا وتنشئ فيها من القواعد العسكرية ما تشاء وتضرب منا من تشاء انطلاقاً من حيث تشاء من أرضنا؟



       كيف نكون أمة غير مهزومة وشعوبنا منشطرة على نفسها, واقعة تحت استقطابات أيديولوجية رهيبة تخرب في بنيات التوافق العام وتؤسس لحروب أهلية طاحنة وتمزقات في كل قطر ينزاح عنه كابوس السلطوية, فيصبح قدر هذه الشعوب إما الدفاع عن دكتاتوريات تحقق لها الاستقرار بالحديد والنار, وإما الوقوع في مهب المجهول والتمزق الإثني والطائفي.



نحن يا صديقي العزيز غارقون في الهزيمة حتى آذاننا, ومهما كان في هذا التعبير من قسوة وسوداوية إلا أنه برأيي أفضل بكثير من أن نخادع أنفسنا ونقنع أنفسنا أننا أمة منتصرة. أما مظاهر المقاومة والممانعة في فلسطين والعراق فهي تؤكد على عمق الهزيمة وليس على غير ذلك, لو كنا منتصرين لما اضطررنا إليهما أصلاً. المنتصر لا يقاوم, بل ينتشي بالنصر. وحتى لو قيل إن في هذا مبالغة إذ إن المقاومة في الحالتين تشير إلى أن الناس لم تقبل بالهزيمة وأنها تقاوم فإن ذلك على صحته الجزئية لا يعني الكثير, ففي الحالتين المقاومة غير مجمع عليها وهي خيار طرف من الأطراف وليس كل الأطراف.



      ما المقصود من ذلك, أنستسلم ونسلم أعناقنا للقوى الطامعة فينا؟ بالطبع لا. وليس عند هذه السطور برنامج عمل بديل, لكنها تتحفظ على التشخيص. ما يهمها هو أن ننطلق من تشخيص دقيق لما نحن فيه. إن بدأنا بالقول بأننا في حالة عافية ومنتصرين فإننا نكون قد بدأنا البداية الخطأ والتشخيص الخطأ وسنباعد بيننا وبين الخلاص من وحل الهزيمة أكثر وأكثر.
[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock