كانت نساء الحارة يتجمعن عند الحاجة صبحا التي تحمل طيبة البادية. يكون اللقاء في “حوش البيت”، يتبادلن الحديث في شؤون حياتهن، ويمارسن أشغالهن اليومية بالمحبة والألفة والتعاون، ويجدن الحلول العفوية لبعض المشاكل التي تعتري أسرهن، وكن يتقبلن من بعضهن النصح بروح طيبة.
 هذه الحارة المجاورة لشركة الكهرباء في الحي الشمالي في مدينة إربد، يستطيع أبناؤها الدخول إلى أي بيت وكأن الواحد منهم يدخل إلى بيته، وتجدهم يعيشون الحياة بحلوها ومرها، ويتشاركون في السراء والضراء، لا تفرق بين أبنائها في المعاملة وكأنهم يعيشون في مجتمع خاص بهم.
كان اليوم يمر بين أبناء الحارة، رجالا ونساء وشبابا وأطفالا، من دون أن ينتهي. لم يكن  تلفاز أو إنترنت أو فضائيات. وكانت الهواتف إن وجدت عند عائلة أو عائلتين، تخدم جميع أبناء الحارة. كان حوش البيت أكبر مكان للتجمع بين أبناء الحارة، ففيه تتجمع الحاجة صبحا مع النسوة، فتأتي أم الأديب ابنة حطين، وأم حسن ابنة سحم الكفارات، وأم أحمد ابنة كفر قدوم، وأم أحمد ابنة الحصن، وأم عاطف ابنة سمخ، وأم علي ابنة أم قيس، وغيرهن الكثير من نساء الحارة، يشغلن أنفسهن في تحضير طبخات البيت للأزواج الذين ينشغلون في أعمالهم، وما إن يعودوا حتى تكتمل السهرات كل يوم في بيت أحد رجالات الحارة. والابناء ما إن يعودوا من مدارسهم حتى تجدهم في الحارة يلعبون معا.
هؤلاء النسوة اللاتي يتجمعن في حوش البيت، كما الرجال الذين يتنقلون من بيت لآخر، والأولاد الذين تحسهم إخوة يلعبون معا في الحارة، لم تكن قلوبهم سوداء، ولا تشعر أنهم ينتمون إلى مجتمع آخر، ولا تجد بينهم واحدا يفرق بين شخص وآخر، وليس بينهم محرض أو حاقد، ولا تشعر أن تركيبة أحدهم مختلفة عن الآخرين. لم يكن هناك أشخاص يصبون الزيت على النار، كانت تضمهم الحارة، ويضمهم حوش البيت.
في حوش البيت، ومع أحاديث الصباح، تأتي كل واحدة من نساء الحارة بطبختها. وعندما تنتهي الواحدة من تحضير موادها تساعدها الأخرى حتى تكتمل طبخات بيوت الحارة. وتجد من تحضر أكوام الملوخية حتى يشاركن في “تفريطها”، أو “تقميع الباميا” التي كانت تزرع بكثرة في سهول إربد، أو اللوبيا، أو تحضير “السليقة”، وهي  حبات القمح تغلى على النار حتى تنضج.
وعندما يتم تجهيز الطبخات، تجد الأولاد ينقلون الصحون من بيت إلى آخر، فيتذوقون الأطعمة بلذة المحب لجاره. ولا تستغربوا إن قلت لكم كيف كانت نساء الحارة يقمن بإعداد طبخة الحارة المشتركة التي يأكلها جميع أبناء الحارة.
يجمع حوش الحارة النساء في زاوية من الزوايا، والرجال في زاوية أخرى، فيتبادلون الحديث عن ذكرياتهم؛ منهم من يتحدث عن بطولاته في الجيش العربي، ومنهم من يتحدث عن أيام الانتداب البريطاني على فلسطين، ومنهم من يتحدث عن أعماله عندما يخرج من أم قيس في منطقة الحمة الأردنية ويدخل إلى سمخ ومن هناك يتنقل بالقطار إلى فلسطين. عن مغامراته وربما معاناته. ويطول الحديث عن فلسطين ومحنتها، وعن الأردن وكأنك تتجول في الصحراء الأردنية وسهول حوران وتذهب إلى حيفا ويافا وكل المدن الفلسطينية. ولم يكن ذلك محرجا لأحد، الكل يتحدث والكل يستمع ويستمتع في أجواء الليل، ولا تنقطع الجلسات حتى لو سهر الجميع على أضواء الشموع، خاصة في فترة الستينيات من القرن الماضي، حيث كانت الكهرباء في بداية نشأتها في المملكة. هذه نكهة الحارة الأردنية.
ذاكرة الطفولة لا تنسى مهما حدثتكم عن حوش البيت في حارتنا أو غيرها من الحارات. قد لا تصدقون عندما تجدون امرأة ترضع أبناء الحارة، فتجد الكثيرين إخوة في الرضاعة، وتجد من أرضعت ابنها المسلم وابن الجيران المسيحي، فيكون هناك أخ مسلم وأخ مسيحي.
كل بيوت الحارة تحس أنها بيوتهم، فإن فراش البيت ينتقل من بيت لآخر، خاصة إذا حضر ضيوف لأحد أبناء الحارة من قرية أردنية أو جاء من قرية فلسطينية لا فرق.
لم ينسلخ هذا الجيل الذى تربى في حوش البيت عن عاداته وقيمه وتقاليده، فظل النقاء ممتدا بين أبناء الحارة الواحدة. ويا ليت الجيل امتد به العمر ليمتد معهم النقاء، ويا ليت الأيام لم تتبدل وتظل ساحة البيت زمانا لطيبتنا وأرضا خصبة لوحدتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock