أفكار ومواقف

حول أعداد المهاجرين والمغتربين

نشرت جمعية معهد تضامن النساء الأردني، في مطلع هذا الشهر، بياناً أو دراسة بعنوان: “تضارب أعداد الأردنيين المقيمين في الخارج يضعف من فرص نجاح الخطط والاستراتيجيات والسياسات الحكومية”. والبيان منشور على الصفحة الرسمية للجمعية، كما نشرته الصحف اليومية والمواقع الاخبارية المحلية على نحو واسع، من دون مراجعة أو تثبت.
استند البيان في أحكامه حول دقة البيانات إلى مقارنة الأرقام الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، ودائرة الأحوال المدنية والجوازات، ووزارة الخارجية، ومؤتمر الأردنيين في الخارج، وتوصلت الجمعية إلى أن هناك فروقات في تقدير الأعداد تصل الى مئات الآلاف. وهو فرق صادم -لو سلمنا به- وحقيقة لا يمكن أن نسلم به. إذ إن هناك توضيحات تقلص من هذا التباين، وتشرح بعضا من أسبابه، ولكنها لا تلغيه بالكلية.
يظهر التقرير مشكلة أشمل تتمثل في الاستفادة من المؤشرات والبيانات الإحصائية بين المنتجين للبيانات، وبين المستخدمين لها. فلا نختلف مع بيان “تضامن” في مدى الحاجة الى بيانات أكثر دقة وموثوقية ووضوحاً، وأن تكون المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية موحدة  وكل منها منوط – أو كلها- بجهة واحدة؛ من حيث الجمع والاحتساب والنشر. وأضيف أن تكون هذه البيانات واضحة المنهجية، والأسلوب والمصدر، وأن تكون موضحة بما يكفي من البيانات الوصفية. وأن يكون ذلك أيضا شأن المستخدم للبيان من الباحثين والإعلاميين، بأن يتأكد من تعريف محددات المؤشرات التنموية، ومرجع البيانات وطريقة جمعها، والإسناد الزمني لها، وغير ذلك من العوامل التي تؤثر في القيمة الرقمية لهذه المؤشرات،  مثل: مؤشر عدد المغتربين والمهاجرين الأردنيين مما سيسهم في جَسر الفجوة الرقمية التي قد تبدو للوهلة الأولى كبيرة، عند إلقاء نظرة سريعة على هذه المؤشرات.
فالتعداد السكاني –وبشكل عام- لا يقدم رقماً لمجموع المغتربين الأردنيين بالمطلق، ولا يمكنه ذلك من خلال أسلوب العد الميداني، وإنما يقتصر على المغتربين من أسر مقيمة، سواءً اعتمد منهجية مكان الإقامة ليلة العد أو مكان الاقامة المعتادة (Defacto or Dejure) فإنه غير معني بتقديم هذا الرقم. وقد ورد هذا في دراسات منشورة لدائرة الاحصاءات العامة توضح أن “التعداد العام لا يوفر لنا بيانات عن أعداد الأردنيين في الخارج” في دراسة “إحصاءات الهجرة في الأردن”، والمعد من قبل السيد محمد العساف من دائرة الإحصاءات العامة، والمنشور على الإنترنت. كما أن الدائرة هي المنوطة بإصدار الإحصاءات الرسمية كافة، ومن ضمنها إحصاءات الهجرة من واقع السجلات والمسوحات الخاصة، وهي مختلفة تماما عمّا نقله البيان الذي اكتفى ببيانات التعداد السكاني.
وهناك عدة جهات رسمية تحتاج الى أن تتشارك فيما بينها في بناء قاعدة بيانات مشتركة لتقديم مؤشرات حول الهجرة، كما أشارت ورقة العساف؛ هي وزارة الداخلية (الأمن العام/ إدارة الحدود والإقامة وشؤون الأجانب) ودائرة المخابرات العامة ووزارة العمل، ودائرة الأحوال المدنية والجوازات، ونضيف إليها وزارة الخارجية لدورها في الحصول على بيانات من الدول المستقبلة للمغترب الأردني، مما يسهم في استكمال بعض المعلومات التي قد لا تتوفر في السجلات الأخرى.
وتلعب إدارة الإقامة والحدود وشؤون الأجانب/الأمن دوراً مهما في توفير بيانات تتعلق بالاغتراب والهجرة بحكم إدارتها للمنافذ البحرية والبرية والجوية. وكذلك الأحوال المدنية؛ فهي تختص بتسجيل حملة الجنسية الاردنية من خلال سجلات المواليد وسجل الوفيات، والتي قد لا يكون سجل الوفيات خصوصا للمهاجرين بذات القدر من الدقة مثل سجل المواليد.
وللحصول على مؤشرات متفق عليها، فإن هناك حاجة للاتفاق على التعريفات والمفاهيم، مثل تعريف المغترب أو المهاجر، وما هي منهجيتها في الحصول على البيانات التي تحقق ذلك المفهوم –من قبيل بيانات المغادرين والقادمين مثلا- وما هو المرجع الزمني لهذه البيانات، اذ قد تؤثر الموسمية في النتائج. إن هذه البيانات الوصفية للمؤشر يجب أن توَضّح وتنشر ضمن المعايير الدولية، والاحتياجات الوطنية، حتى يستطيع من يحتاج الرقم اعتماد رقم ذي مصداقية وموثوق.
إن الحاجة الى رفع كفاءة البيانات –بشكل عام- من حيث المحتوى، والجودة، والتوصيف والدقة والشمول، هي اللبنة الأساسية في صنع السياسات، والاستراتيجيات، وتطوير الدراسات، والخطط والاستراتيجيات، والسياسات الحكومية، وكذلك  تطوير الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية. إذ إن الحكومة تبنت مؤخراً سياسة البيانات المفتوحة، وهذا يفرض الاهتمام بنشر بيانات موحّدة وموصّفة جيدا ضمن معايير الجودة، وضمن الممارسات العالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock