صحافة عبرية

حول النقاء والأخلاق

هآرتس


جدعون ليفي


14/8/2009


رئيس الأركان غابي أشكنازي هو شخصية نموذجية قيمية وأخلاقية، تقف على رأس جهاز لا يقل أخلاقية وقيمية. في الأسبوع الماضي كسر حاجز الصمت وبرهن عن حساسيته العالية للقضايا الضميرية: “ليس لدي او لدينا ذرة من التسامح تجاههم”، قال رئيس هيئة الاركان بصوت واضح ومرتفع حول المسؤولين عن التنكيل بالجنود (حفلات وداع للجنود تتميز بالعنف الشديد كنوع من التسلية- المترجم)، “علينا ان نعتبر هذا الحادث تذكيرا للمستوى القيمي العالي المتوقع منا”، قال هذا بصوت شفاف وصاف، معلقا على قضية العميد عماد فارس (الذي منح سيارته العسكرية لابنه ليقودها ذات مرّة- المترجم).


ولكن ويا للشيطان، في نفس اليوم الذي نشرت فيه تصريحات رئيس هيئة الأركان تلك التي تتفاخر بـ “المستوى القيمي” المرتفع لديه، نشرت تقرير آخر لمنظمة هيومن رايتس ووتش الأميركية وجاء فيه ان الجيش الإسرائيلي قد قتل في عملية “الرصاص المصهور” 11 مدنيا ومن بينهم خمس نساء وأربع اطفال كانوا جميعا يرفعون الرايات البيضاء، هذا العمل الذي يُعتبر جريمة حرب. كان من الواجب ان يثير ذلك صدمة اكبر الا اننا لم نسمع كلمة واحدة حول ذلك من رئيس هيئة أركاننا ، يبدو انه يمتلك كيلوغرامات من التسامح في مثل هذه القضية.


الجيش الذي يقوده أشكنازي، الذي دعا “الى تمشيط كل فصيل ووحدة بمشط من الفولاذ” ردا على الخازوق الذي نفذه الجنود ضد رفاقهم، لم يحقق في قتل حملة الرايات البيضاء. الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي العميد آفي بن ياهو قام بحملة تجريد وضيعة للشرعية ضد منظمة “يكسرون الصمت” لانها تجرأت وجبت شهادات تقشعر لها الأبدان من الجنود.


وها هو الجيش الإسرائيلي فجأة يؤيد اجراء تحقيق في كل خيمة بين جنوده بسبب عملية الخازوق التي ينفذونها ضد بعضهم البعض. “علينا ان نشجع الصراحة” قال رئيس هيئة الأركان الذي يحقق بلا وجل ضد من يزعجون جنوده بينما يقوم هذا الجيش بكبح اية إمكانية لكشف الشبهات الموجهة بارتكاب جرائم حرب.


وهكذا سيكون معسكرنا نقيا طاهرا: طاهرا فقط ممن ينكلون بالجنود، وناصعا فقط من الكذابين الصغار. السماح لصبي بقيادة تراكتور صغير؟ محظور، قتل الأطفال حملة الرايات البيضاء؟ مسموح، الكذب بصدد سياقة المرأة للسيارة؟ محظور، قتل النساء؟ مسموح، تفاهات إدارية، المرأة قادت السيارة والابن قاد التراكتور الصغير، والخوازيق ضد الجنود الأغرار خطيرة اما القتل العدمي فمسموح. هذه هي الرسالة في الواقع.


ان كان التنكيل بالجنود محظورا والتنكيل بالفلسطينيين مباحا، اذا فنحن أمام منظومتين قيميتين مختلفتين. النتيجة: ازدواجية للمعايير الأخلاقية والتجريد من الصفة الإنسانية. عندما يقول أشكنازي: “نحن كضباط نقاس من خلال قدرتنا على أن نكون نموذجا يحتذى وجديرا في اية لحظة” هو يقصد صغائر الامور، وحماقة فارس (الان اضيفت أيضا خردة بطاقة الاعتماد المسروقة)، وليست المشاكل القيمية والضميرية الحقيقية. العلاج المكثف لصغائر الأمور هو ورقة التوت الرائعة بالنسبة للجيش الإسرائيلي التي تتيح له البرهنة عن “قيمه” وتغطية كل الشبهات بارتكاب جرائم حرب، التي تتسبب بتشويه سمعته.


العميد فارس وكذلك العميد تشيكو تامير من قبله اخفقا في امور صغيرة. تامير في قضية التراكتور الصغير كان مشاركا في الماضي في أعمال اشد خطورة بما فيها القتل العدمي لمواطنين في جنين وغزة، الا ان أحدا لم يفكر تخفيض رتبته بسببها. عندما يتصرف الجيش بصرامة شديدة كهذه مع ضابطين متفوقين، بالتأكيد، فليس هناك في الجيش الإسرائيلي ضباط قتاليون لا يلصقون بهم هذا الاسم تلقائيا ، الا انه يحاول طمس المخالفات الحقيقية التي يرتكبونها هم ورفاقهم.


الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي ينشر في كل مرة بيانات رسمية لا تتساوق دائما مع الحقيقة، ولكن هذه مسألة يمكن ان نسامحه عليها. الرائدة افيتال ريفوفتش ممثلة الناطق بلسان الجيش ظهرت في يوم الخميس على قناة الجزيرة وقالت باللغة الانجليزية ان الجيش الإسرائيلي لا يطلق النار على الأطفال. فكيف قتل مئات الأطفال في عملية “الرصاص المصهور”؟ بيد السماء؟ لم يحاسبها احد عن الدعاية الكاذبة التي طالعتنا بها.


 ولكن عندما يكذب العميد فارس في قضية مصيرية: من الذي قاد سيارته، يلاقي نفس المصير. لم يولد بعد الضابط الذي أوقفت خدمته بسبب قتل عدمي لفلسطينيين في غزة، ولكن بسبب كذب لشركة اعتماد- نعم. هذه هي المعايير الاخلاقية للجيش الاكثر قيمية في العالم. ليس هناك جهاز اخر في إسرائيل يكثر من الحديث عن “القيم” ويقوم بهذا القدر من الاعمال غير القيمية الصارخة.


ألصقت برئيس هيئة الاركان السابق دان حلوتس وصمة “الضربة الخفيفة في الجناح” رغم ان الامر يعني قنبلة واحدة ومع ذلك ادعى انهم لم يفهموه بصورة صحيحة. اشكنازي بقي نظيفا ولم تلتصق به اية شائبة ولا حتى بعد الهجمة المنفلتة على غزة والقتل الكبير للمدنيين بعدد لا يحصى من القنابل. الان بامكانه ايضا ان يعتبر رئيس هيئة اركان حساس بدرجة لا تقاس في الامور الاخلاقية: هـ وو، كم شعر بالصدمة من المناشف المبتلة التي ضربت فيها ظهور الجنود.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock