أفكار ومواقف

حول مسار عمل “لجنة الفوسفات”

أما وقد حطت “الحرب” أوزارها، وطارت الطيور بأرزاقها (ببراءاتها)، وقضي أمر توصيات اللجنة النيابية المكلفة بالتحقيق في خصخصة “الفوسفات”، فإن الوقت قد حان لمراجعة المسار النظامي (القانوني) للعملية البرلمانية برمتها، منذ تشكيل لجنة التحقيق وصولا إلى محطة التصويت على توصيات اللجنة.
ويسهّل عليّ مهمة القراءة النظامية في هذا الشأن، موقفي الإيجابي الداعم لكل توصيات اللجنة، بما فيها توصيات الإحالة إلى القضاء وتصويتي لصالحها. وهذا من شأنه توفير مظلة حماية سياسية لي.
في رأيي المتواضع، فإن مسار العملية البرلمانية الذي اعتمده مجلس النواب فيما يخص “لجنة التحقيق النيابية في خصخصة الفوسفات”، منذ تشكيلها وحتى التصويت على قراراتها، شابته عيوب ومثالب نظامية وقانونية فادحة، أثرت على نتائج العملية البرلمانية؛ السياسية والقانونية. وأستطيع أن “أفتي” وأقول: لو أن توصيات اللجنة المتعلقة بالإحالة على القضاء فازت بالتصويت، لكانت محلا للطعن في القضاء. كيف؟ ولماذا؟
قرارات مجلس النواب التي تشكلت على أساسها جميع لجان التحقيق النيابية، بما فيها لجنة التحقيق في خصخصة الفوسفات، استندت إلى المادة (51) من النظام الداخلي لمجلس النواب، والتي تنص على أن: “للمجلس أن يشكل لجانا مؤقتة يرى الحاجة ماسة لتشكيلها. ويحدد المجلس وظائفها ومهماتها وعدد أعضائها، وتنتهي مدة أي منها بانتهاء المهمة الموكلة لها”.
في واقع الحال، مجلس النواب قرر تشكيل لجنة التحقيق في خصخصة الفوسفات بدون أن يحدد وظيفتها أو مهمتها، ولا حتى عدد أعضائها؛ وهذه مخالفات بيّنة. وناط بالمكتب الدائم تسمية أعضاء اللجنة بدون العودة إلى المجلس لإقرارها؛ وهذه أيضا مخالفة نظامية، لأنه ليس للمجلس أن يفوض صلاحياته لأي جهة نيابية. واستنادا لقرار التفويض، شكل المكتب الدائم للمجلس اللجنة من 7 أعضاء، انتخبت رئيسا ومقررا. وبعد ذلك استقال عضو منها وانضم إليها بقرار من المكتب الدائم لاحقا أربعة أعضاء. إذن، طريقة تشكيل اللجنة لم تكن متوافقة مع المادة (51) من النظام الداخلي. وهذا العيب القانوني أسس لمخالفات كبيرة أخرى سنأتي على ذكرها.
مجلس النواب في واقع الحال شكل لجنة “لتقصي الحقائق” في ملف خصخصة الفوسفات. وقامت اللجنة بجهد جبار. ويستحق التقدير رئيسها النائب أحمد الشقران، الذي عمل ووظف كل إمكاناته الشخصية والمادية لاختراق “القلعة العصية”، وقدم معلومات في غاية الأهمية والخطورة. وقد مارست اللجنة سلطتها البرلمانية بسماع الشهود وجمع الأدلة والبينات استنادا للمادة (58) من النظام الداخلي.
مجلس النواب حدد للجنة التحقيق، كما جاء في تقرير اللجنة نفسها: “النظر في التجاوزات المحتملة في تخاصية شركة مناجم الفوسفات”، وإعلام المجلس بذلك. ولم يكلف المجلس اللجنة بالتحقيق مع الوزراء، استنادا للمادة (53) من الدستور التي تعطي الحق للأغلبية النيابية في “إحالة الوزراء الى النيابة العامة”. لكن اللجنة أخذت على عاتقها التوسع في المهمة إلى ما بعد “تقصي الحقائق”، ومارست الدور القضائي المناط بمجلس النواب من دون تكليف منه. هذا التوسع متفاهم عليه ضمنا من دون قرار من المجلس، وحدث الأمر نفسه مع ملف لجنة “الكازينو”.
المسار النظامي كان يفترض أن تقدم اللجنة استخلاصاتها وتوصي بتشكيل لجنة أو لجان خاصة استنادا للمادة (53) من الدستور للتحقيق القضائي مع وزراء يشتبه بارتكابهم مخالفات. وتعود اللجنة/ اللجان وتعرض أمام المجلس من جديد مبرراتها القانونية للإحالة على القضاء، ويصوت عليها اسما اسما وليس بالجملة؛ كمن يفحص النظر لعشرة أشخاص بعملية واحدة.
أخيرا، سوف أجيب عن سؤال مفترض: لماذا إذن صوت “بالجملة” على إحالة أسماء الوزراء على القضاء؟ وجوابي هو: إذا فشل قرار الإحالة على القضاء، فإن ملف الوزراء سيطوى إلى الأبد، لأن قرار مجلس النواب قطعي. فاخترت أن يكون للقضاء الكلمة الفصل، مع يقيني أن البراءة ستكون من نصيب الغالبية الساحقة منهم، وعلى رأسهم دولة معروف البخيت. الإمام علي وقف مع يهودي أمام القضاء، وهذا ليس عيبا؛ وربما العكس.

[email protected]

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock