أفكار ومواقف

حياة سياسية جديدة

بانتظار أن يشهد النصف الثاني من هذا العام سلسلة من الأحداث والاستحقاقات السياسية المحلية، يبقى السؤال: هل ستؤسس هذه الاستحقاقات لحياة سياسية جديدة؟
من المفترض أننا أمام جيل جديد من البرلمانات، وفق قانون تخلص للمرة الأولى منذ نحو عقدين ونصف العقد من عقدة “الصوت الواحد”؛ وتحولات منتظرة أخرى على مستوى الحكم المحلي والإدارة اللامركزية، وما يرتبط بذلك من حراك سياسي لا يتوقف عند النخب وحسب، بل وينال القواعد الاجتماعية العريضة. فيما ستُختم هذه التحولات بشكل الحكومة التي ستزامن البرلمان الجديد، وآلية تشكيلها.
على كل الأحوال، تجربة الحكومة المغادرة بحاجة أيضا إلى مراجعة جدية ومتوازنة، حتى نتمكن من الحكم على المرحلة المقبلة؛ فهي ليست حكومة برلمانية بالمعنى السياسي والمهني، كما قيل حينما جرت مشاورات التشكيل. وهي ليست تقليدية بالمعاني والمقاييس السياسية الأردنية، مع علاقة جديدة في بعض ملامحها بين البرلمان والسلطة التنفيذية. لكن مع كل ما يمكن أنه يسجله تاريخ هذه المرحلة من إنجازات، ومن إخطاء، ومن ظروف اقتصادية وسياسية تجاوزتها الدولة، فإنه لا الحكومة ولا البرلمان استطاعا تدشين حياة سياسية بالحد الأدنى للممارسة الديمقراطية.
أسئلة كثيرة، وفيها الكثير من المنطق، طُرحت حول مدى ما تعكسه التطورات السياسية، سواء تحت قبة البرلمان من تحولات، أو التيارات السياسية خارج البرلمان وعلى رأسها الحراك داخل الحركة الإسلامية وخارجها، ومدى ما تمثله هذه التطورات من ميلاد تيارات سياسية تعيد فرز وتشكيل المعارضة من جديد، وهل تستطيع هذه التيارات والقوى الجديدة في مواقفها من السلطة التنفيذية، الاستمرار وبناء تراكم سياسي حقيقي على الأرض، يمارس معارضة سياسية برامجية؟ وما هي فرص هذه التيارات بالالتقاء مع قوى المعارضة التقليدية الممثلة بالحركة الإسلامية الموجودة في الشارع؟ فعلى الرغم من كون تيار المعارضة البرلمانية في أغلب رموزه يمثل القوى المحافظة في البرلمان، وبالتصنيف السياسي تأتي الحركة الإسلامية قوة سياسية محافظة، فإن فرص تكوين جبهة معارضة وطنية ضئيلة ومحدودة، إلا في سياق الانقسامات والمبادرات الجديدة التي قد تتيح للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، ألوانا سياسية جديدة.
هل ثمة فرصة لولادة قيصرية للسياسة تحد من هيمنة الثنائية التقليدية بين الحكومات ومعارضة الحركة الإسلامية التي طالما أوجدت مبررات أمام القوى التقليدية لإعاقة الإصلاح؟ من المفترض، عمليا، أنه توجد في البلاد اليوم ثلاث قوى تتقاسم القوة السياسية في المجتمع والدولة، هي الحكومة وحلفاؤها، والمعارضة البرلمانية وحلفاؤها، والمعارضة الإسلامية وحلفاؤها. لكن الأمور لا تسير وفق هذا التصور الذي توجد فيه إمكانات لميلاد تيارات جديدة تطبخ بعناية في هذا الوقت؛ ثمة جديد يتشكل في المجتمع وعلى هوامش الدولة.
لا يمكن أن نرفع التوقعات بانتظار تحولات كبيرة؛ فمسيرة الدولة وتقاليدها لا تميل إلى منهج الدراما السياسية والتغيرات السريعة؛ وخطوات صغيرة وواثقة قد تكون أعمق وأكثر فائدة على المدى البعيد. المهم أن الحياة السياسية الجديدة تحتاج لإرساء تقاليد جديدة، يلتقي حولها الجميع؛ تتيح المجال لولادة معارضة سياسية برامجية بعيدا عن النزق السياسي والفرجة، وقبل ذلك كله حد من التوافق على القيم السياسية الأساسية.

تعليق واحد

  1. "سياسة درّج ياغزالي"
    القارئ في تنظير اعلاميينا ومثقفينا ونخبنا السياسية ناهيك عن المخزون السياسي للغالبية الصامته يضع سؤلا مشروعا ما اسباب التدرج والخوف ان تفرز الحالة المجتمعية مكنوناتها وهل يعقل ان يتم تحضير الفرس قبل الفارس؟؟

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock