نعيش منذورين لغيرنا، فمنذ صرختنا الأولى في هذه الحياة، ونحن نجتهد في تقمص آمال الآخرين، وطموحاتهم التي وضعوها بنا.
منذ طفولتنا الأولى، نواجه خيارات محدودة للمكان الذي نريد أن نسحب اتجاه حياتنا نحوه، في مقابل ما يريده الآخرون، وما خططوا له من أجلنا. وتتوالى السنوات متنقلين فيها من مرحلة عمرية إلى أخرى، من دون أن نجرؤ على “تخييب ظن” أولئك الذين فكروا عنا، ورسموا لنا طريقنا.
كل شيء في حياتنا مبني على توقعات ورغبات لم نصغها نحن، وربما لم نكن نريدها لو ترك الأمر لخيارنا، بل من أجل حصد إعجاب أناس يراقبون عن بعد، ويتحكمون بجميع قراراتنا وتفاصيلنا!
كل ما يدور في زوايا البيوت مبني على ما سيراه من خارجها: ادرس جيدا حتى يكون معدلك أعلى من هذا وذاك. عليك التخصص بهذا المجال في الجامعة حتى لا يقولوا “ابن فلان طلع مهندس او دكتور أحسن وأشطر منك”، وإلى غير ذلك من صنوف التوجيه التي تمارس في كثير منها ابتزازا عاطفيا نخضع له برغبتنا أو من غيرما رغبة، وأحيانا نخضع لأفعال غير قادرين على مقاومتها ورفضها، لذلك نكون منساقين، برضى أو بغصب، باتجاه إرضاء الغير. إنها حياة كاملة نعيشها لأجل الآخرين، ونادرة هي اللحظات الحقيقية التي نعيشها من أجل أنفسنا.
نخضع لرغبات فرضت علينا ونقوم بها بحكم الواجب كي نبقى “مسالمين”، طعام عليك أن تحبه وتأكله وأنت صغير وإن كان بالغصب، وملابس لا يحق لك أن تختارها، فما عليك سوى تنفيذ الأوامر.. معلمة لا تستمع لوجهة نظرك إنما عليك التقيد بقراراتها وعدم النقاش أو الحوار أو الفهم.. احفظ فقط!
وعلى قاعدة “شو بدها تحكي الناس” بتنا نعيش حياتنا على أمزجتهم، وخوفا من رواية يشكلونها عنا، تزعزع رأيهم بنا، فهذا “عيب” وهذا “لا يجوز” وذلك “يعرضنا للانتقاد”.
هم لا يشكلون لنا شيئا، لكننا في مجتمع اعتاد أن يتحكم بنا. نعيش له ولا نعيش لنا. نرضيه ولا نرضي أنفسنا، وكأنهم هم من يعيش حياتنا، فأصبح مقياسنا لكل ما نفعله مبنيا على آراء طمست هويتنا واحتياجاتنا الحقيقية ورغباتنا الجوانية.
ربما يأتي يوم نكتشف فيه أننا نريد أن نعيش لأجل ذواتنا، وأن نكون مقاومين حقيقيين وغير أسيرين لما يملى علينا، فنفعل ما يشعرنا بالسعادة، وننحاز إلى ذواتنا ورغباتنا، لنعبر عن كل ما احتشد فينا من أمنيات صغيرة لم تستطع التفتح بسبب انجرارنا لوأدها رغبة في إسعاد غيرنا. ربما سنفعل ذلك يوما ما، وكل ما نتمناه هو ألا نتخذ هذا القرار متأخرين كثيرا، بحيث لا يتبقى أمامنا سوى مراقبة شمعات وهي تذوي، من دون أن نمتلك الوقت الكافي لأن نحيا مثلما حلمنا ذات زمن.
هي حياتنا التي نتحدث عنها هنا، والزمن الذي يتسرب منها يوميا، هو زمن مهدور من حياتنا الخاصة التي كان ينبغي أن تسير مثلما نشتهي نحن، لا مثلما يريد الآخرون. هي حياتنا. فهل نمتلك الجرأة الكافية لتقرير مصيرها ومسارها!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock