آخر الأخبار حياتناحياتنا

حينما تتضاعف الضغوطات.. هل تصبح “اللامبالاة” هي الحل؟

ربى الرياحي

عمان– لم يكن يتوقع أحمد عبدالرحمن (40 عاما) أن يصل لمرحلة، يفقد فيها الاهتمام بكل ما حوله، لا يعنيه شيء في محيطه، مقررا أن تكون “اللامبالاة” طريقه الجديد في التعامل مع الآخرين، وفي كل ما يعترض طريقه.


لم يأت ذلك الشعور من فراغ لدى أحمد، إذ كانت هنالك مواقف متعددة ومحطات في حياته قدم فيها الكثير للآخرين، وكان دائم الاهتمام وتحمل المسؤولية تجاه القريب والبعيد، غير أن “غياب التقدير” كما يقول، وعدم اكتراث من حوله بما يفعل جعله “غير مبال” بكل ما حوله، وكان ذلك عن قرار اتخذه، ونجح به مع مرور السنين.


في لحظة ما ونتيجة التعرض للصدمات والهموم ومع تراكم الضغوطات وتضاعفها يوما بعد آخر، تبهت الحياة في نظر أولئك الذين يأخذون كل شيء على محمل الجد، ليصل بهم الأمر للتنصل من مسؤوليات لطالما أرهقتهم وكبلتهم.


إفراطهم بالوعي منذ الصغر واكتراثهم لكل صغيرة وكبيرة، يشعرهم بالاستنزاف مبكرا ويرغمهم على دفع ضريبة الاهتمام أكثر من اللازم. هذا كله يضعهم بين خيارين لا ثالث لهما، إما التجرد من كل مسؤولياتهم والتخلي عن الحياة التي يريدونها تحت غطاء اللامبالاة، أو الموافقة على أن يظلوا متعبين محملين بأثقالهم مستسلمين لتلك التراكمات التي تحرمهم ببعض الأحيان من أن يعيشوا بسعادة.


لذلك، يبرز التساؤل؛ هل اللامبالاة نعمة أم نقمة وتحديدا على أولئك الذين يعطون من أرواحهم ويبالغون في الاهتمام؟


الناس يتفاوتون في ردود أفعالهم تجاه المواقف والصدمات، وفق الأربعينية ناديا قاسم، إذ إن هنالك أشخاصا يستنزفون كل طاقتهم في الاهتمام بكل شيء حولهم. بالنسبة لهم لا يمكن لشيء أن يمر مرور الكرام أو أن يعبر دون أن يترك أثرا فيهم، يكترثون لأبسط الأمور ويبالغون بإحساسهم وكأنهم يحملون الحياة على ظهورهم.


هؤلاء، حسب رأيها، يكبرون قبل الأوان، وفجأة ومن دون مقدمات يتحولون إلى أشخاص لا يبالون بشيء، يقررون التحلل من مسؤولياتهم لعلهم يتذوقون طعم السعادة ولو لوقت قصير يتمردون على طبيعتهم وعلى ذلك الإحساس الذي يشعرهم بالذنب والتقصير تجاه أمور كثيرة تعد من الأولويات في حياتهم.


وتؤكد قاسم أن اللجوء للامبالاة ليس الحل أبدا، وذلك لأن وصول الإنسان لهذه المرحلة يجعله باردا في مشاعره يميل للاستهتار والفوضى في قرارات قد تكون مصيرية لا يمكن التهاون بها.


أما إكرام عبدالله، فتبين أنها شخصيا لا تستطيع أن تخالف طبيعتها، ومع ضغوطات كثيرة تعرضت لها منذ أن كانت صغيرة وما تزال حتى اليوم تشعر بأنها المسؤولة عن كل من حولها، تعتقد أن عليها أن تسعد الناس جميعا وأن تحمل عنهم حزنهم وهمهم وكل ما يتعبهم. فهي دائمة التفكير بكل ما يخص عائلتها وأصدقاءها حتى أولئك الذين لا تعرفهم تماما، مشيرة إلى أنها في بعض الأوقات تشعر بأنها تقترب من حافة الانهيار، يخف حماسها وتضعف قواها، لكنها تعاود الوقوف مجددا رافضة الاستسلام لكل الهموم التي تعكر صفو حياتها وتسلبها سعادتها واتزانها.


الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة، يرى أن اللامبالاة شعور سلبي، وقد يتسبب في تعب الإنسان وحزنه، ولا يعود عليه بالسعادة، لافتا إلى أن الإنسان قد يضعف ويفقد اتزانه وتصيبه الحيرة جراء الهموم ولضغوطات كثيرة تحاصره يوميا، إلا أنه يستطيع تجاوز كل مشاكله إذا عرف كيف يهتم بالأشياء من حوله دون مبالغة.


واللامبالاة، من وجهة نظره، ينتج عنها أضرار كثيرة، كالضياع والتخبط وعدم الاكتراث والتفاعل مع كل ما يحدث مع الشخص، تمتاز هذه الشخصية ببرودها وغياب المسؤولة. ويبين مطارنة أنها أحيانا قد تكون مرحلة مؤقتة ناتجة عن تراكم الهموم والمشاكل، وأحيانا أخرى قد تكون سمة دائمة في الشخص تلازمه مدى الحياة، مؤكدا أن الشخصيات غير المبالية تكون منبوذة من المحيط يصعب التعامل معها، لكونها تفتقد الاهتمام بأمور قد تكون من الأولويات.


ويقول الاختصاصي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان، إن الاهتمام بشؤون الآخرين، والشعور معهم والتفاعل مع قضاياهم وهمومهم، جزء من الحاجات الإنسانية.


بعض الأشخاص ربما لا تعنيهم مثل هذه الأمور، لا يكترثون بالمشاعر أو ما يقوله الآخرون، يتجاهلون ما يدور حولهم، ولا يشعرون بالآخرين ولا يراعوا حتى ظروفهم. وغير المبالي قد ينفر منه الناس، خصوصا من يرغبون بالاهتمام والرعاية أو على الأقل إبداء التفاعل بالمشاعر معهم، سواء أوقات الفرح أو الحزن أو في المواقف الصعبة، أو السؤال عن أحوالهم.


والأشخاص الذين يشعرون أن سلوك اللامبالاة يعطيهم الراحة وعدم التفكير بالآخر وينسيهم الهموم، فهم لا يهتمون بالنواحي العاطفية والاجتماعية، ولا يتفاعلون حتى مع المواقف الإيجابية.


ووفق سرحان، فإن الشخص “اللامبالي” لا يهتم بما يحدث حوله من حوارات ومواقف ولا يشعر مع أحد، وأسباب اللامبالاة متعددة منها أسباب مرضية ونفسية، وبعض الأشخاص تأثروا بما تعرضوا له من مواقف صادمة صعبة أو تعرضوا لحوادث متعددة أو مشكلات كثيرة متلاحقة أو تعرضوا لضغوطات نفسية، جعلت منهم “ضعيفي المشاعر”، وتصبح المواقف والأمور الصعبة عادية لديهم.


كثرة المواقف التي يتعرض لها الإنسان قد تجعله غير “مبال” بما حوله، كذلك “التشبع” من الصدمات قد تجعل من الشخص “لا مبال”، وهو ما يجعل منه عرضه للانتقاد من الآخرين، لأن المجتمع يعتبر اللامبالاة صفة سلبية.


واللامبالاة، قد يكون لها آثار سلبية، لأن من لا يشعر بالمسؤولية ينشغل بنفسه ويبتعد عن الآخرين، وفي هذه الحالة فإن “الانعزال” حتى لو كان بالمشاعر فقط يؤثر في نفسية الشخص ويدفعه لتصرفات غير محسوبة النتائج.


خطورة “اللامبالاة” عند القيادي والمسؤول أكثر منها عند الشخص العادي، لأنه يؤثر في سلوك آخرين وينقل لهم صفة سلبية. “فالأب اللامبالي” مثلا سيكون له تأثير سلبي بالأبناء والأسرة وقد يسبب لهم الضرر مع تأثرهم به، وكذلك المدير “اللامبالي” سيؤثر سلبا بالعمل وبسلوك الموظفين، بحسب سرحان.


التعود على التعاطف مع الآخرين منذ الصغر مهم جدا، وهو مسؤولية الآباء والأمهات المربين، حتى يعتاد الطفل الشعور مع المحيطين، خصوصا في المواقف الواضحة، كما أن “الابتسامة” نوع من التفاعل ولها أثر كبير، وتشعر الآخر بالإحساس معه وتقديره، وهي لغة وجسر بين القلوب.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock