أفكار ومواقف

حين تفكر بالغائبين!

لم تكن علاقتنا تسير بسلاسة. يمكنني أن أقول إنني عارضته بأمور أكثر من تلك التي اتفقت بها معه، خصوصا بكل ما يتعلق بالدراسة. كان من الشخصيات التي تمنح هامشا كبيرا للاختلاف، وللنقاش، ولم يكن “بطريركيا” بأفكاره وسلوكه، رغم خلفيته العسكرية التي منحته نظاما حياتيا شبه صارم.
أستطيع الادعاء بأنني كنتُ الأقربَ إليه، على الأقل منذ سن العاشرة، تلك السن التي بدأت فيها بمرافقته في عمله وتجارته.
كنت أراقب كيف كان يعمل لأكثر من 12 ساعة، من أجل تأمين احتياجات أسرة كبيرة، لم يكن من السهل أن تعيش على راتب تقاعدي لا يكاد يكفي لسد الاحتياجات الضرورية جدا.
سنوات طويلة كنت ملازما له في عمله، وصولا إلى سنّ السادسة عشرة، حين منحني تفويضا كاملا بتحصيل عشرات الآلاف له على أناس أماكنهم تمتد على جغرافيا كبيرة ومتفرقة. كنت متيقنا من أنني سأفشل، فهي مهمة ليست بالسهلة، إضافة إلى مهمة أخرى هي رعاية بيت فيه والدتي، وثلاث شقيقات يصغرنني بالسن. كنت متيقنا من الفشل، ولكنه كان يشجعني دائما، ويتحدث إليّ عن أشخاص كانوا أصغر سنا مني حين تغلبوا على صعاب كثيرة، وحققوا ما كانوا يطمحون إليه.
أدين إليه بمهارة اتخاذ القرار، والدفاع عن الرأي إن كنت أعتقد نفسي محقا.
وأدين له أيضا، بسهولة الاعتذار عن الخطأ، والتراجع عنه إن أخطأتُ التصرف أو التقدير.
أدين له بمعظم ما أمتلكه من أفكار ومبادئ، ومن مزايا شخصية منحتني هويتي التي أقابل بها الناس.
أدين له بحساسيتي المفرطة تجاه الأشياء، وبالتعاطي العاطفي مع أمور كثيرة، خصوصا مع الفئات المهمّشة والمظلومة التي لا تجد رعاية كافية.
أدين له بأنه علمني كرمَ النفس، وأن ثمة ما هو أهم بكثير من المقتنيات، وهي الشعور مع من هم حولنا، وأن نكون قريبين منهم، خصوصا حين يحتاجوننا.
أدين له أنه لم يردْ أن يورطنا، نحن عائلته، بأيّ دين يثقل كاهلنا. لذلك، حين خسر تجارته، وتراكمت الديون عليه، قرر أن يسافر إلى الولايات المتحدة، وهناك، وعلى مدى سنوات، وصل الليل بالنهار في العمل، ولم يعد إلى الأردن إلا حين سدد آخر قرش للناس في ذمّته.
أدين له بغضبي في مكانه، وبتسامحي حين يجدر بي أن أكون متسامحا، وبإحساسي بالناس والأشياء، وحساسيتي تجاه الأحداث.
ولكن، ثمةَ أمر أتذكره باستمرار، فجينات الكتابة والإبداع أخذتها منه بلا ريب، وهو الذي كان يُغلقُ على نفسه الباب ويظل يكتب لساعات، من دون أن يسمح لأحد بالاطلاع على ما يكتبه. كان يحرص دائما أن تظل تلك الكتابات بعيدة عن أعين المتطفلين. بعضها كتابات إبداعية من أشعار وقصص، وأخرى كتابة سيرة وذكريات.
لقد رحل من دون أن يدري أنني قرأتُ كل كلمة فيها، حتى تلك التي أتلفها لاحقا. رحل من دون أن يدري أنني أحتفظ إلى اليوم ببعض ما خطه قبل ثلاثين عاما أو أكثر.
أدين له بأشياء كثيرة. أدين له بالعلة في وجودي، وبكيميائي، بالكروموسومات التي زرعها فيّ.
أنا أدين لأبي بكل شيء. إلى الخلود يا والدي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock