أفكار ومواقف

حين تُضعف رايس من تأثير واشنطن

في عددها الأخير نشرت مجلة “فورين أفيرز” دراسة بقلم وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، تحت عنوان: “إعادة التفكير في المصلحة القومية: واقعية أميركية لعالم جديد”، قدّمت فيها رؤية أميركا إلى العالم، وشرحت المصالح الأميركية على الساحة الدولية، مركّزة على مصالحها في الشرق الأوسط. ويمكن تلخيص أبرز ما جاء في رؤية رايس بخصوص منطقتنا في النقاط الخمس التالية:


أولا، تؤكد رايس أن الحرية والديمقراطية هما الفكرتان اللتان تستطيعان على مرّ الوقت أن توصلا إلى استقرار عادل ودائم، وأن دعم واشنطن لأنظمة استبدادية في منطقتنا وغيرها مقابل دعمها للمصالح الأميركية و”حماية الاستقرار الإقليمي” أثبت بعد أحداث أيلول(سبتمبر) 2001 أن هذه الصفقة أنتجت استقرارا كاذبا، وكانت “القاعدة” أبرز تجلياته.


ثانيا، تعترف رايس أن المسار الأميركي في منطقتنا حاليا صعب، كما أن مهمة وهدف إرساء الديمقراطية والتحديث في الشرق الأوسط الأوسع تتطلب أجيالا، ولكن إذا لم تحدد أميركا، تضيف رايس، هذا الهدف في المنطقة فلن يحدده أحد. وهذا الهدف لن يعني عدم مراعاة المصالح الأميركية الأخرى: أمن الطاقة، الدفاع عن الحلفاء والأصدقاء، ومكافحة الإرهاب.


ثالثا، تؤكد رايس في دراستها أن أسئلة الحداثة والديمقراطية ومتطلباتها وكيفية بثها في واقع الشرق الأوسط يجب أن تأتي الإجابات عنها وعن غيرها “فقط من داخل الشرق الأوسط، ومهمتنا هي دعم عمليات التغيير الصعبة هذه”.


رابعا، تبيّن رايس أن الانتخابات في الشرق الأوسط خطيرة وتأتي أحيانا بنتائج غير مرغوبة، لكن يجب ألا تُمنع، بل ينبغي وضع معايير للفائز لكي يكون مقبولا من المجتمع الدولي.


خامسا، العراق نموذج مصغّر عن المنطقة بطبقاته الإثنية وتنوعاته المذهبية، ولذلك فإن عمليتي “دمقرطة” العراق كما الشرق الأوسط مرتبطتان معا.


والحقيقة أن هذه الرؤية التي تدعو إليها رايس، تكشف في واقع الأمر عن الخلل الذي تعانيه السياسة الأميركية في المنطقة العربية، وتسلّط الضوء على أسباب إخفاق هذه السياسة في حل أي من الملفات الكبيرة العالقة: في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها. وهذا الفشل سببه قلة إدراك ربما لتعقيدات الأوضاع وتشابك الملفات في المنطقة، فيما تنظر إليها واشنطن بمنطق الأبيض والأسود، وتصنّف اللاعبين السياسيين في منطقتنا إلى أصدقاء وأعداء، وتسعى إلى تسوية الملفات الشائكة والأزمات المعقدة في غير بلد عربي وفق مبدأ “غالب ومغلوب”، دون التفات إلى أن هذه الأزمات لا تحل دونما توافقات، وليس بتغليب طرف على آخر. حدث هذا مثلا في العراق حين افترضت واشنطن أن مجرد إسقاط نظام صدام حسين، ودعم الأغلبية الشيعية لذلك، سيحوّل العراق إلى “جنّة ديمقراطية”، وثبت لها بعد كل الكوارث أن الاستبداد ليس فردا فحسب، بل هو مؤسسات وقناعات، وباستبعادها بعد الغزو للسنّة ومعاقبتهم وتهميشهم، استبدلت استبدادا باستبداد آخر، وأنتجت بدلا من “الاستقرار السلطوي” زمن صدام حسين اقتتالا طائفيا مريرا لم يبرأ العراق منه كليا حتى اليوم.


ولقد أوضحت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين أولبرايت، أخيرا أن النتائج الكارثية للحرب الأميركية في العراق وأفغانستان أضعفت فكرة “التدخل” من قبل المجتمع الدولي في الأزمات، وحلّت أحيانا المهادنة وردود الأفعال المتواضعة أمام جرائم ترتكبها بعض الحكومات والأنظمة بحق شعوبها، خشية أن يكرر “التدخل” الفاعل الكوارث التي حدثت في العراق وأفغانستان.


ولم تعترف رايس في دراستها أن النموذج الديمقراطي الذي قدمته واشنطن في أفغانستان والعراق، كان “ديمقراطية التكوينات الاجتماعية” الذي احتفظ في طياته بأمراض المجتمع والسلطة، وقدّم لونا طائفيا وفئويا مليئا بالتشوهات لإدارة الشأن العام، وهو في المحصلة نموذج غير جاذب للآخرين، كما تروّج رايس بحديثها عن ارتباط دمقرطة العراق بدمقرطة الشرق الأوسط.


وحين تتحدث الوزيرة رايس عن أن الولايات المتحدة إذا لم تضع هدف دعم الديمقراطية وإرسائها في الشرق الأوسط الأوسع فلن يضعه أحد آخر، فإنها تقدّم نظرة متعالية، وتبعث برسالة خاطئة بأن إنجازات المنطقة إنما تأتي فقط بدفع وضغط أميركيين يفضيان إلى حدوثها، وهذا قول يتناقض كذلك مع تأكيدها أن توجّه أهل المنطقة للحداثة والديمقراطية ينبغي أن ينبع من داخل الشرق الأوسط نفسه، وليس عبر الإملاءات الخارجية، وهي بذلك تضعف أصدقاءها حين تطلب منهم تبني جميع مواقفها والتماهي مع مصالحها، الأمر الذي يقدم هؤلاء الأصدقاء والحلفاء وكأنهم “تابعون” وغير وطنيين، ما يضعفهم محليا، ويقوّي خصومهم السياسيين.


أميركا هي الطرف الأقوى عالميا، لكنها بسبب الإخفاقات التي أشرنا إلى بعضها آنفا، وبسبب الانحياز المطلق للسياسة الإسرائيلية وافتقادها دور الوسيط النزيه المحايد، فإنها تحدث فجوة كبيرة بين قوتها المجردة الضخمة، ومقدرتها(وربما رغبتها) الحقيقية في التأثير باتجاه حل الملفات الشائكة والأزمات القائمة في العالم العربي، وتشجيع الإصلاحات السياسية، ونتمنى على الإدارة الأميركية المقبلة أيا كان لونها أن تدرك  ذلك. 


[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock