أفكار ومواقف

حيوية مجتمعية في مواجهة الأزمات

صحيح؛ هناك طبقات من الاحباط لدى فئات واسعة من المجتمع تبرز في اشكال مختلفة من التعبيرات والسلوك ويمكن ان تفهم في سياق الاحوال الاقتصادية الصعبة بالدرجة الاولى، لكن هذه الحالة يبدو انها تميل الى التنميط والمبالغة وتخفي خلفها حيوية مجتمعية ليس في التكيف السلبي مع الازمات والظروف الصعبة، بل في الاستجابة وردود الفعل الايجاببة التي تحاول تجاوز الأزمات وتُبرز قدرة عالية على التضامن الاجتماعي وتكشف ان هذا المجتمع يملك من الحيوية والتمسك بالحياة والايمان بالبلد والقانون اكثر بكثير مما تذهب اليه الحدوس.
في الظروف الجوية الأخيرة برزت بقوة حالة التضامن الاجتماعي وما تزال هذه الحيوية تمنح عشرات الامثلة التي تؤكد على قوة هذا المجتمع، سلسلة الحملات التي اطلقها عشرات الشباب وباتت تتبناها بعض المؤسسات للتضامن مع تجار وسط البلد نتيجة ما اصاب متاجرهم من خراب بعد تدفق المياه اليها احد الامثلة على هذه الحيوية المجتمعية والرغبة في تجاوز الازمة، فالمبادرة التي تدعو الى جعل نهاية الاسبوع فرصة للتسوق في وسط البلد للمساهمة في تعويض هؤلاء التجار مما اصابهم، تتجاوز محاولة التعويض الى تقديم جرعة من الامل الدالة على رغبة في تجاوز الراهن، يوم الخميس الماضي ووسط كميات الامطار الكبيرة وتشكل السيول والفيضانات ترك فريق لدائرة الاخبار في التلفزيون الأردني المهمة الاخبارية المكلف بها وذهب لإنقاذ شاب كاد ان يغرق وسط تجمع كبير للمياه، فالدفاع عن الحق في الحياة اكبر بكثير من اي سبق صحفي، الحال ليست بعيدة عن الشباب المتعطلين عن العمل القادمين من الجنوب والمعتصمين بانتظار الفرج فقد نسوا قضيتهم وهبوا للمساهمة في اعمال الانقاذ ومساعدة الناس.
في احياء مختلفة من العاصمة بادرت فرق غير منظمة من الشباب الى فتح مئات المناهل او تغيير مسار المياه المتدفقة او مساعدة البيوت والعمارات التي داهمتها المياه، كانت سرعة استجابة هؤلاء الشباب بالتأكيد اسرع واكثر فعالية من استجابة المؤسسات الرسمية المعنية، في سنوات ماضية انتشرت فرق للانقاذ والمساعدة برزت في اكثر من موسم مطري، في المحافظات تبرز حيوية التضامن الاجتماعي بقوة اكثر ولكنها قد لا تنال نصيبها من الانتشار والاضواء لأن هذا السلوك ما يزال احد مرتكزات النظام الاجتماعي في تلك المجتمعات وفي الحقيقة يتجاوز التبسيط الذي نناقش فيه احيانا مفهوم ( الفزعة ) التقليدي.
ليس وحدها الدول والمؤسسات من لديهم القدرة على تحويل التحديات الى فرص؛ بل ايضا يمكن ان تفعل هذا المجتمعات والنساء والرجال الذين لديهم القدرة على اكتشاف معنى اخر للعمل العام ومعنى اخر للحياة والنجاح، يتردد هذا الخطاب مرارا وتكرارا في الحالة الأردنية، لكن اليوم نحن امام لحظة الحقيقة التي قد تكون نعمة من السماء لاعادة اكتشاف الذات من خلال اعادة التفكير والكشف عن القدرات الحقيقية التي تعيد تأهيل الدولة والمجتمع للتخلص من آثار الاحباط واليأس واكتشاف معنى البذل والعطاء وتحويل ( الفزعة ) الى اطر منظمة وذات قيمة مضافة .
عشرات الافكار التي يمكن ان تشكل ابتكارات اجتماعية أردنية بامتياز؛ كيف يمكن ان نحول المساحة الواعية والمساحة غير الواعية في سلوك المجتمعات الى قوة اثراء وتغيير سواء على الاقتصاد او السلوك العام؛ كيف نعطي معنى جديد للعمل العام وللعمل التطوعي وكيف نوجه قوة الشباب الى إرادة وقوة هائلتين في التغيير والتمساك الاجتماعي .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock