آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

“خارجون من الحجر الصحي”.. عوارض وآثار نفسية بحاجة لدعم ومساندة!

تغريد السعايدة

عمان- يترك الحجر الصحي الإجباري، آثارا نفسية كبيرة على الأفراد، سواء ذلك الحجر الذي خضع له الآلاف ممن عادوا من السفر قبل حوالي أسبوعين وسيغادرون هذه الأيام، أو المتواجدون ضمن العزل في المستشفيات، ومن شُفي من الفيروس، مما يتطلب رعاية ودعما كبيرين ما بعد تلك المرحلة، وحين عودتهم إلى بيوتهم.
وخلال الفترة الماضية، وفرت الحكومة الأردنية خدمات ورعاية مستمرة للمحجور عليهم صحيا في أماكن مخصصة، للمساهمة بالتخفيف عنهم من صعوبة تلك الفترة عليهم، لكن ينبغي تقديم الرعاية والمشورة النفسية لهم فيما بعد.
والحجر الصحي إجراء طبي احترازي، يكون في أماكن محددة وتحت إشراف مباشر من الكوادر الصحية، سواء المحجور عليهم داخل المستشفيات أو في الفنادق كما حصل مع من قدموا من السفر مؤخرا، لحين الاطمئنان على صحتهم، وضمن ظروف محيطة مناسبة تتوفر فيها كل سُبل الراحة. أما الحجر المنزلي للأسر، فيأتي ليشمل جميع المواطنين للحد من انتشار الفيروس.
أخصائي علم النفس الإكلينيكي والأمراض النفسية الدكتور رأفت شهير، يرى أن الحجر الصحي بحد ذاته ليس أمرا “مخيفا”، خاصة مع وجود خبرات صحية كبيرة في الأردن، وهو ما بدا واضحاً في التعاطي مع وباء كورونا، وعبر إجراءات صحية سليمة، إلا أنه قد يترك آثاراً نفسية لدى بعض الأفراد، كونه بوضع غير مألوف، وسلوكا جديدا، وأي ظروف جديدة وغير مألوفة، من شأنها أن تترك آثاراً نفسية متفاوتة، تعتمد على الفرد، وعلى تلقيه الدعم النفسي خلال فترة الحجر، وحتى بعدها.
لذا، يؤكد شهير أنه من الأهمية بمكان أن يتوفر لمن خضعوا للحجر نصائح نفسية واستشارات مع ممارسات صحية في هذه الفترة، لا تقل أهمية عن الإجراءات الأخرى، فقد تبين، كما بالعديد من الدول، أن الكثير من الحالات التي خرجت من الحجر، سواء أكانت غير مصابة بالمرض أو مصابة وتعافت، ما تزال لديها آثار نفسية عالقة مرتبطة بتلك الفترة الحرجة، والتي قد تؤدي مع الوقت إلى اضطرابات جسدية أخرى إذا ما تلقت الخدمة النفسية الملائمة.
وعلى الرغم من أن شهير يشيد بالإجراءات المميزة التي قامت بها الأردن لخدمة المحجور عليهم، من خلال أماكن إقامة مميزة، في فنادق “فخمة”، وتتوفر لديهم الخدمة الكاملة، إلا أن ذلك لا يمنع أن يتعرض هؤلاء الأفراد إلى آثار نفسية بحاجة إلى من يقف بجانبهم ويقدم لهم الخدمة “الاستشارية النفسية”، للخروج من هذه الأزمة بكل سلاسة وبدون أذى مؤجل، خاصة فيما يتعلق بشعور البعض بـ”وصمة اجتماعية” لديهم، لوجودهم داخل العزل، وهذا أمر لا وجود له على الإطلاق، فالمرض أمر عابر وقد يصيب أي شخص في العالم.
وبناء على أهمية هذا الجانب “النفسي”، قام شهير ومنذ بداية أزمة “جائحة كورونا” بعمل دراسات بحثية، وجمع الكثير من نتائج الدراسات التي تناولت هذا الجزء من العلاجين النفسي والسلوكي للأفراد في وقت كورونا، وتوصل من خلالها الى العديد من النتائج، التي توجب أن تأخذها الجهات المختصة بعين الاعتبار، فالصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، خاصة وأن هذه الضغوط “لمرض كورونا” تصيب العديد من الأفراد المتخوفين من الهجوم الشرس لكورونا، سواء أكانوا مرضى أو مخالطين أو غير ذلك.
ويبين شهير، أن بعض الآثار النفسية قد تصيب الطاقمين الطبي والتمريضي العاملين مع المرضى أو المحجورين وقائياً، فقد بينت إحدى الدراسات التي قام شهير بتقصيها بأنهم الأكثر عرضة للإبلاغ عن حالات جسدية وأخرى نفسية مثل القلق والأرق، ضعف التركيز، الإحجام عن العمل وتقديم الاستقالة، عدا عن أن الآثار النفسية قد تزيد بالنسبة للأطفال أكثر من الكبار.
“جميع الدراسات الارتباطية والإحصائية” استطلعت فقط أولئك الذين تعرضوا للحجر الصحي وأبلغوا عموما عن ارتفاع معدل انتشار أعراض الاضطراب النفسي منها “الأعراض النفسية العامة، الاضطراب العاطفي الوجداني، الاكتئاب، الضغط النفسي، اضطراب وسوء المزاج، التهيج، الأرق، أعراض ضغوط ما بعد الصدمة، الغضب، الإرهاق”، وغيرها من الأعراض التي تختلف من شخص لآخر.
ومن الأعراض التي قد تظهر بعد فترة من الوقت، بعد انتهاء الحجر، يبين شهير أن دراسات أخرى أظهرت وجود “سلوك تجنبي”، المتمثل بتقليل الاتصال المباشر، خاصة لدى العاملين في الحجر، في حالات وبائية سابقة، ومنهم من تجنب جميع الأماكن والساحات العامة في الأسابيع التالية لفترة الحجر الصحي، فيما أظهرت دراسات أخرى كذلك، أن العديد من المشاركين وصفوا التغييرات السلوكية (الوسواسية) طويلة الأجل بعد فترة الحجر الصحي، مثل غسل اليدين وتجنب الحشود، ومنهم من تأخروا في العودة إلى الحياة الطبيعية لأشهر عدة لاحقة.
كما وتوصل شهير، خلال بحثه الاستقصائي للدراسات حول الآثار النفسية للحجر الصحي، أنه “وكلما زادت مدة الحجر الصحي زادت معه الاضطرابات النفسية وكانت أكثر شدة في أثرها”، بالإضافة إلى الخوف من نقل العدوى وإصابة الآخرين، كما أصبحوا قلقين بشكل خاص إذا عانوا من أي أعراض جسدية محتملة تتعلق بالعدوى وأعراض المرض والخوف من أن الأعراض قد تعكس استمرار العدوى وارتباطها بالنتائج النفسية بعد أشهر عدة.
وتشير الدراسات ذاتها إلى أن من بعض الآثار التي تظهر فيما بعد الحجر “الحجز والعزل الذاتي وفقدان الروتين المعتاد، وتقلص التواصل الاجتماعي والبدني مع الآخرين” الذي يسهم في زيادة الملل والإحباط والشعور بالعزلة عن بقية العالم، كما تطرقت الدراسات إلى وجود الخوف من “الوصمة الاجتماعية”، التي غالباً ما تستمر بعض الوقت بعد الحجر، وتأتي نتيجة وجود بعض السلوكيات المجتمعية كما في تجنبهم، ومعاملتهم بالخوف والشك، وإبداء تعليقات نقدية.
نصائح “نفسية” قد تكون سبباً في تخفيف حدة الآثار السلبية للحجر الصحي، توصلت لها الدراسات المتعددة التي أخذت بعين الاعتبار حالات لأعداد كبيرة، ومن ذلك أن تكون فترة الحجر قصيرة ما أمكن، وأن تكون فترة غير مفاجئة، والدعوة إلى عدم تبني نهج احترازي مفرط في هذا الأمر، فتمديد الحجر قد يفاقم الشعور بالإحباط، وإن فرض تطويق إلى أجل غير مسمى على مدن بأكملها بدون تحديد مهلة زمنية محددة (مثل ما حدث في ووهان في الصين) قد يكون أكثر ضرراً من إجراءات الحجر الصحي المطبقة بصرامة التي تقتصر على فترة الحضانة.
وبحسب شهير، فإن الدراسات النفسية تشدد على أهمية إعطاء الناس أكبر قدر ممكن من المعلومات عن المرض وحالتهم الصحية، حتى لا يخشى الأشخاص الذين يخضعون للحجر الصحي من الإصابة أو إصابة الآخرين.
كما أنهم غالبا ما يكون لديهم تقييمات مبالغ بها لأي أعراض جسدية تحدث خلال فترة الحجر الصحي، وهذا الخوف هو أمر شائع للأشخاص المعرضين لمرض معد مثير للقلق، وقد تتفاقم الأعراض النفسية والجسدية بسبب المعلومات غير الكافية من المسؤولين.
كما يرى شهير أن محاولات التقليل من الملل، وتحسين الاتصالات ودور مجموعات الدعم قد تكون سبباً في الحد من الملل والعزلة والشعور بالضيق، وهذا يتطلب أن يتم إخبار الأشخاص الخاضعين للحجر بما يمكنهم القيام به لتجنب الملل وتقديم المشورة العملية حول أساليب التعامل مع الضغوط النفسية، وتعزيز شعور الإيثار الذي ينبغي أن يشعر به الناس، وأن يتمتع مسؤولو الصحة المكلفون بتنفيذ الحجر الصحي بالأمان الوظيفي المعقول لحجم المسؤولية التي تقع عليهم وما يبذلونه وإعطاء كل ذي حق حقه، خاصة من هم في خط الدفاع الأول مع المرض.
وينهي شهير حديثه بالقول إن هذه المراجعات تشير إلى أن التأثير النفسي السلبي للحجر الصحي واسع النطاق ويمكن أن يكون طويل الأمد، لكنه ضروري لحماية الأفراد، وينبغي التعامل بحرص مع حرمان الناس من حريتهم من أجل الصالح العام الأوسع، فإذا كان الحجر الصحي ضروريا، فإن النتائج تشير إلى أنه ينبغي على المسؤولين اتخاذ كل التدابير لضمان أن تكون هذه التجربة مقبولة قدر الإمكان للأشخاص، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق “إخبار الأشخاص بما يحدث ولماذا، وشرح المدة التي سيستمرون فيها داخل الحجر الصحي”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock