أفكار ومواقف

خارج السيطرة

قبل أيام تداعى أهالي أحد أقدم الأحياء العمّانية لتطويق حادثة إطلاق نار كادت أن تودي بحياة شاب ثلاثيني على يد زميل له على اثر خلاف طارئ بينهما. قبلها بايام قليلة قتل شاب في نفس الشارع وعلى مقربة من المكان الذي وقع فيه الحادث على أيدي أشخاص من نفس الحي وعلى إثر خلاف  آني بدت أسبابه غير مقنعة.
في كل مرة تقع حوادث مشابهة يستذكر اهالي المنطقة شبابا في عمر الورود  قضوا بفعل  اعتداءات يصعب فهم اسبابها ومبرراتها، ويتساءل البعض عما اذا كانت الحياة قد فقدت قيمتها ومعناها، أو هل اصبح القتل سهلا لهذا الحد؛ فاحيانا يطلق الرصاص على من يعترض طريق الآخر في الشارع العام، وقد يحصل إذا ما قال احدهم  كلاما لم يعجب الآخر فأقسم أنه سيتخلص منه. فالسلاح في أيدي الجميع، والغضب يخيم على اجواء العلاقات،والكثير من الشباب لا يرى مبررا للامتثال لقيم ومعايير المجتمع.
لم تترك البطالة التي استشرت ويصعب مجابهتها او الحد منها مجالا للأمل في الحصول على عمل، فاستشرى الاحباط واليأس وتبنى الشباب اتجاهات معادية لأسرهم ومجتمعهم وفقدوا الثقة بالمبادئ والقيم التي تنادي بها ثقافة الوعظ والهداية والإرشاد.
يعتقد الكثير من الشباب العاطل عن العمل بأنهم ضحايا لإهمال مجتمعي مزمن تغاضت فيه المؤسسات عن حاجاتهم الملحة لمتابعة أحلامهم وأهدافهم المشروعة في التعليم والعمل والزواج والتقدم الوظيفي وتشكيل أسر تساعدهم على الاندماج في حياة المجتمع ومساراتها المشروعة.
في العاصمة اليوم كما في المدن المجاورة وحتى في مدن الاطراف وبعض البلدات والقرى جماعات من الشباب يسيطر على تفكيرهم الإحباط والمعاداة للثقافة السائدة ورموزها وقيمها. في بعض المناطق تمارس الجماعات الجديدة أعمال الابتزاز والسطو والتشليح، البعض احترف تجارة وترويج المخدرات المقترن بالتعاطي.
العلاقة القائمة بين الشباب وأسرهم معدومة أو عدائية وغير صحية إنْ وجدت، يسيطر عليها الخوف والريبة وتكرار التعرض للتهديد والابتزاز.عشرات الآباء والأمهات يفتقدون إلى الدعم المجتمعي في محنهم التي يتجاوز تأثيرها القدرة على التحمل أو التعامل معها.
الاستجابة الأردنية الرسمية لمشكلة المخدرات كانت وما تزالت أسيرة لتعريف أنها مشكلة عبور ولا آثار تذكر على الأردنيين في التعاطي والترويج والإدمان “الاردن بلد ممر…وليس مستقر”. ربما أن مثل هذا التعريف مناسب للاوضاع في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي لكن الامر تغير تماما اليوم؛ فالمخدرات وانواعها اصبحت في متناول الكثير من فئات المجتمع، فهي في جامعاتنا وبعض مدارسنا ومقاهينا واكواخ بيع القهوة على طرقنا الخارجية.
في بعض المناطق هناك غرز مثل التي نشاهدها في المسلسلات المصرية. يحرسها المروجون والمتعاطون باسلحتهم. قبل اسبوعين قتل احد شباب ادارة المخدرات وجرح آخر. منذ اسبوع تحدثت مع محافظ العاصمة لأنقل له شكوى اهالي احد الأحياء عن وجود اماكن محددة يستخدمها المتعاطون والتجار ويعرفها الأهالي ويتمنون على الدولة مساعدتهم في اجتثاث هذه البؤر، وما يزال الاهالي ينتظرون.الاستراتيجيات العالمية  لمواجهة المخدرات  تتعامل مع نوعين من المتغيرات؛ يتعلق الاول بالحد من العرض ويتناول الثاني الحد من الطلب عليها. في بلدنا  ما من احد يشكك بالجهود التي تنهض بها أجهزة الامن العام والمخدرات في الحد من العرض للمواد المخدرة وضبط المهربات ومصادرتها ومحاكمة التجار. لكن المشكلة الكبرى  تكمن في  زيادة الطلب الذي يغذيه تفاقم البطالة والفقر والمشكلات النفسية والازمات العائلية وضغوط الحياة المختلفة.
مشكلتنا الكبرى ان بعض المسؤولين ينظرون للمجتمع اليوم بعدسات الامس فهم لا يعرفون وربما لا يهتمون لمعرفة التغيرات التي طرأت على مجتمعاتنا وعلاقاته الاسرية ودينامياته.                  
المجتمع الاردني الذي يزداد سكانه بمعدلات لا مثيل لها في العالم وتختلط فيه الهجرة مع الفقر والبطالة والتشرد والاكتظاظ والاغتراب،  يئن تحت ضغوط الضرائب والجريمة والتفكك الاجتماعي والمخدرات والاسلحة وغسل الاموال ووسائل الثراء السريع.
عشرات المشكلات الاجتماعية الأخرى تحتاج الى استراتيجيات جديدة تعرّف مشكلاته بدقة وتستنهض كل القوى الاجتماعية لدعم جهود بناء الانسان وتثوير مفهوم المدرسة ووظائفها لتصبح مؤسسة مركزية تقود الجهود المجتمعية المعنية بإعداد وبناء وتأهيل الإنسان وتساعده على حل وتجاوز المشكلات والتحديات التي تواجهه.
الكثير من آباء وأمهات المدمنين يعيشون محنة لا يشاطرهم فيها أحد، يحملون هم أبنائهم الذين تقطعت بهم سبل التقدم والنجاح، ويحاولون مداراة أوضاعهم الأسرية والتستر على محنهم لحماية سمعة أسرهم وبقية الأبناء من الآثار الاجتماعية لمشكلات الإدمان التي تركوا ليواجهوها وحدهم في ظروف يصعب وصفها.

انتخابات 2020
19 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock