أفكار ومواقف

خديعة “الواقع على الأرض”..!

سوف يسمع المتابع للقضية الفلسطينية في الفترة الأخيرة دائما شيئا من قبيل: «استمرت إسرائيل في توسيع المستوطنات وزيادة عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وبناء الطرق الالتفافية، وغيرت الواقع على الأرض بحيث أصبح حل الدولتين على أساس القرارات الدولية مستحيلا».
لماذا مستحيل؟ لو كان الأمر كذلك، فإن أي استعمار جلب بعض مواطنيه إلى البلد المحتل وأقام بنية تحتية، لم يكن لينهي استعماره، بذريعة أنه أسس واقعا على الأرض، ولكانت القوى الاستعمارية ما تزال تحتفظ بمستعمراتها على هذا الأساس. لكن «الواقع على الأرض» يُطرح في الحالة الفلسطينية كشيء من الإرادة العلوية القبلية التي يستحيل تغييرها بإرادة البشر وأدواتهم. وليس هذا واقع الحال في الضفة الغربية والقدس الشرقية –ولا حتى في فلسطين التاريخية، في الحقيقة.
هذا «الواقع» مرهون بأحد شيئين: نوعية المعيار الأخلاقي والقانوني للنظام الدولي؛ أو منطق القوة الذي يقرر «الواقع». وعندما يتعلق الأمر بفلسطين 1967، لا يستحيل تفكيك المستوطنات وترحيل المستوطنين إلى فلسطين 1948، التي تعطيها الإمبرياليات المهيمنة الشرعية للقوة التي تستعمرها –بمعنى شرعنة تجريد الفلسطينيين من وطنهم وشطبهم من دفتر التاريخ. وقد سبق وأن فكك العدو مستوطناته وسحب مستوطنيه من غزة -عندما رأى أن كلفة احتلالها عالية.
هذه هي المسألة في الحقيقة، يجب أن يشعر الكيان بأن كلفة مواصلة احتلال الضفة والقدس الشرقية ثقيلة عليه. ويمكن أن يتحقق ذلك بإحدى وسيلتين: أن يُتخذ قرار دولي إلزامي بمقاطعة الكيان ومعاقبته حتى ينفذ القرارات الدولية؛ أو أن تُدار المقاومة الفلسطينية بحيث تُعظم خسائر الاحتلال وتجريد مستوطنيه –الذين ينبغي أن لا يكونوا آمنين- من الأمان الذي توفر معظمه، للأسف، السلطة الفلسطينية. وعندئد، لن يصعب إقناع حتى أكثر المستوطنين تطرفا بالخروج من المناطق المعادة للفلسطينيين بموجب القرارات الدولية، إذا لم يرحلوا وحدهم حتى يتمكنوا من النوم.
وإذن، إذا كان “حل الدولتين”وليس أي “حل دولتين”، على أساس إقامة دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة على الأراضي التي احتلت في 67 وعودة اللاجئين مقبولا للفلسطينيين –لمعالجة حد أدنى من مظالمهم- فإن حجة «الواقع على الأرض» ليست قاهرة ولا مسلمة إذا تغيرت حسابات العدو لأي من الأسباب المذكورة أو غيرها. ومن بين «غيرها» تغيير «الواقع على الأرض» الأقرب إلى المستحيل حقا: أن يرتقي العرب الرسميون إلى المستوى الوطني والأخلاقي والقومي لممارسة ضغط منسق على الكيان ورعاته لتحقيق هذا الحد الأدنى من الحل للفلسطينيين –ولأمن شعوبهم الاستراتيجي في الحقيقة باستعادة الكرامة والهيبة والانسجام مع المبادئ الإنسانية والقانونية وإرادة الشعوب.
إذا كان الحديث سيعود مرة أخرى عن حل الدولتين، فإنه يجب أن يكون بتعريفه في قراري مجلس الأمن 242 و194. ولم ينص هذان القراران على أن يكون تطبيع العرب مع الكيان شرطا لإعادة جزء من الحق لأصحابه. وينبغي أن يتوقف مفاوضو الاستسلام الفلسطينيون الحاليون عن توفير “احتلال الخمس نجوم” للعدو. وهو ما يفعلونه بتقدير معظم المتابعين لعملهم –حتى من اليهود والغربيين وأعظم المحللين والمراقبين. كانت الحصيلة الوحيدة لتهافتهم هي هذا «الواقع على الأرض» الذي يصادقون عليه ويجاهرون باستعدادهم للتنازل على أساسه قبل الجميع.
كان تطبيع العرب مع الكيان، وتخليهم عن أشقائهم وإسقاط مبادئ العدالة والإنسانية بلا أي مقابل، مصادقة على احتلال فلسطين كلها “واقع على الأرض” لا يمكن –ولا ينبغي- تغييره، وبذلك تقضي المصلحة بالتعامل معه وتطبيعه كما هو. لكن هذا لا يمكن ولا ينبغي أن يكون موقف أي فلسطيني نزيه ومنسجم مع نفسه. وليس ثمة ما يبرر عمل ممثلي الفلسطينيين على أساس أن “الواقع على الأرض” -المتمثل في المستوطنات والمستوطنين أو غيرهم- هو المعيار المحدد لأي عمل لاحق باعتبار حتميته.
كان كل استعمار في التاريخ «واقعا على الأرض» في لحظة ما، لكنه أخلى مكانه لواقع جديد بمجرد تغير الشروط الدنيوية التي أتاحت التغيير. وينطبق هذا على المشروع الاستعماري-الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. بالنسبة للشعوب العربية والفلسطينيين والمطلعين على تاريخ الصراع، ليس لهذا الكيان أي شرعية للوجود في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني. وهو ليس هنا بـ “وعد إلهي”، وإنما بالشروط الدنيوية التي أوجدته وتديمه، والتي نحن جزء من تحديدها –أو تغييرها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock