أخبار محليةاقتصادالسلايدر الرئيسي

خريطة طريق للنهوض الاقتصادي ما بعد “كورونا”

فواز يوسف غانم*

يشهد العالم في الوقت الحاضر صدمة مالية ثانية بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008، فأزمة الوباء العالمي هذا العام بالتأكيد هي كافية لتغيير المالية العامة للدول، حيث تندفع الحكومات إلى إقتراض الأموال بوتيرة لم يسبق لها مثيل، مما يشير إلى عصر جديد من الحكومات الكبيرة Age of Big Government).
من المتوقع أن تغير الصدمتان الماليتان أعلاه ميزان القوى في العالم، إلا أن آثارهما ستختلف عبر البلدان اعتمادا على مصداقية وتماسك المؤسسات الاقتصادية لكل بلد. فعلى سبيل المثال أظهرت اليابان التي لها تاريخ طويل من انخفاض التضخم وبنك مركزي قوي، بأنها تستطيع الاقتراض والإنفاق أكثر بكثير مما توقعه الاقتصاديون نظرا لحجم الدين العام الداخلي بالين الياباني.
أما منطقة اليورو، والتي هي تقاطع بين اتحاد اقتصادي وتجمع بين دول قومية مستقلة، فمن المتوقع أنها ستكون أبطأ في استغلال الفرص في عالمنا الجديد نظرا لطول عملية صنع القرار، ولعدم دمج الديون للدول(Consolidation of Debt) تحت مظلة واحدة في الاتحاد الأوروبي.
أما في الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن يقدم لها “العهد الجديد” أكبر المكافآت المحتملة وكذلك أكبر المخاطر. فبصفتها مصدر الأصول المالية الأكثر ثقة في العالم بفضل مكانة الدولار الراسخة كعملة احتياطية للعالم، ستكون الولايات المتحدة قادرة على استخدام (وربما إساءة استخدام) القوى المالية الجديدة. والسؤال الرئيسي هنا هل ستكون الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على التوسع في الإنفاق الحكومي في مجالات الصحة والتعليم والأمن القومي والبحث العلمي، مع ازدياد هائل في الدين العام ومن غير خطر عودة التضخم؟
منذ بداية الوباء، أطلقت الولايات المتحدة العنان لأكبر حافز نقدي وأكبر ميزانية في العالم. بأعجوبة، تمكنت الولايات المتحدة من القيام بذلك دون أي تكلفة تقريبا، حيث حفز الوباء رحلة إلى السلامة (Flight to Safety) النسبية للأصول الأميركية، وحيث عملت مشتريات الاحتياطي الفيدرالي على رفع سعر سندات الخزانة الأميركية مع انخفاض الفائدة على سندات العشر سنوات في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام إلى أقل من واحد بالمائة للمرة الأولى على الإطلاق.
ونتيجة لذلك، وعلى الرغم من أن الحوافز تسببت في ارتفاع كبير في ديون الحكومة الأميركية، إلا أن تكلفة خدمة ذلك الدين ظلت مستقرة حيث تشير التوقعات إلى أن مدفوعات الديون الفيدرالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ستكون هي نفسها كما كانت قبل الأزمة. هذا يبين أن القدرة على إصدار العملة الاحتياطية العالمية على ما يبدو هو مصدر طاقة مستدام، حيث يستمر الدولار في الارتفاع في أوقات عدم اليقين حتى عندما تزيد سياسات الولايات المتحدة غير المنتظمة من عدم اليقين. ففي عصر “المال السحري” الذي نشهده هذه الايام، تشهد الولايات المتحدة حاليا تدفقات كبيرة في رؤوس الأموال، مما يجعل رأس المال وفيراً وغير مكلف على الإطلاق.
في الوقت نفسه، دخلت الاقتصادات الناشئة (Emerging Markets) مرحلة صعبة خلال أزمة الوباء حيث تشهد بعض هذه الاقتصادات الناشئة تحركات تكاليف الاقتراض في الاتجاه المعاكس للذي يحصل في الدول المتقدمة. فعلى سبيل المثال، في الفترة ما بين منتصف شباط (فبراير) ونهاية نيسان (أبريل) 2020، ارتفع سعر الفائدة في اندونيسيا من حوالي 6.5 في المائة إلى أقل بقليل من ثمانية في المائة، فيما قفز سعر الفائدة في جنوب أفريقيا من أقل من تسعة في المائة إلى أكثر من 12 في المائة.
بالتالي، من الواضح ان أسواق السندات ستعامل الدول الناشئة بشكل أقل سخاء، وستتم معاقبة البعض من خلال تكاليف اقتراض مرتفعة. فلمحاربة فيروس الكورونا، اتجهت عدة اقتصادات نامية من كولومبيا إلى إندونيسيا إلى تطبيق سياسات مالية مشابهة للعالم الغني من خلال شراء البنوك المركزية للديون الحكومية. فمنذ فبراير 2020، بدأ حوالي 13 مصرفاً مركزياً في الأسواق الناشئة في شراء السندات الحكومية، بالرغم من إنها سياسات تضيف طبقة إضافية من المخاطر في هذه البلدان، حيث ان العملات فيها هشة ورأس المال له تاريخ من الفرار السريع. إلا أن العديد من حكومات الدول الناشئة قد قررت اتخاذ إجراءات غير تقليدية لتوفير الدعم للعجز المالي للدولة، مع زيادة في الإنفاق العام لحماية الناس والشركات من تداعيات الوباء ومن غير أي تفكير حاليا بخطورة إحياء التضخم. وبالتالي، وبسبب الآثار السلبية الكبيرة من أزمة الوباء، يحاول صانعو السياسات في العالم النامي اعتماد سياسة تعرف باسم “التيسير الكمي” (Quantitative Easing) والتي تطمس الخطوط الفاصلة بين الإجراءات المالية والنقدية.
وبناء على ما ذكر أعلاه، كل المؤشرات العالمية للدول تبين أن النمو وحفظ وظائف القطاع الخاص والاستقرار المالي في الاقتصاد لها الأولوية في الوقت الحاضر وعلى المدى المتوسط، والتي تعتبر أهم بكثير من أي مخاوف بشأن العجز المالي السنوي أو التضخم أو ازدياد الدين السيادي في الاستقرار المالي، حيث يبدو أن أزمة “كورونا” غيرت العالم بسرعة ومن نواح شتى، والسياسة النقدية ليست استثناء.
بالنسبة للمملكة الأردنية الهاشمية، باعتقادي أن هذه الأزمة عقدت أموراً كثيرة للحكومة من نواح عدة، حيث أن الأزمة جاءت على رأس ظروف اقتصادية كانت صعبة بالأصل، إلا أن ظهور فيروس كورونا عمق من هذه المعاناة. فالاقتصاد الأردني كان يعاني قبل فيروس كورونا من معدلات نمو ضعيفة لمدة عقد من الزمن، حيث معدلات البطالة والفقر كانت مرتفعة بسبب الأعباء التي فرضت من رسوم وضرائب، بالإضافة إلى معاناة العديد من القطاعات التي بالكاد كانت قادرة على البقاء قبل الأزمة.
وبعد عشرة أسابيع من إجراءات حظر صارمة وإغلاق شبه تام لعدة قطاعات في الاقتصاد، يشعر الكثير من المواطنين حاليا بأن الحكومة لا تميزحاليا ما بين “مرحلة الحرب على الوباء وإعادة فتح الإقتصاد” التي نحن نمر بها الان، وبين المرحلة المقبلة وهي “مرحلة التعافي الاقتصادي”، حيث يبدو أن حكومتنا بدأت تعطينا مؤشرات بأنها فعلت كل ما باستطاعتها لإنقاذ الاقتصاد وأنه لن يكون هنالك المزيد من الإجراءات في المستقبل القريب لتحفيز إضافي للاقتصاد أو مساعدة القطاع الخاص.
لا شك بأن حكومتنا حاربت الوباء على قدم وساق وأدارت الأزمة الصحية بفاعلية ونشاط حين وضعت صحة الإنسان وسلامته على رأس أولوياتها، مما جعل الأردن أنموذجا يحتذى به في احتواء الوباء والحد من الإصابات وحالات الوفاة. وفي الوقت الحاضر أخذت الحكومة قرارات مهمة تعمل على تدابير لإعادة النشاط الاقتصادي تدريجيا من خلال رفع القيود الذي أعلنت عنها في نهاية الأسبوع الماضي.
ولكن من المؤكد أن نجاح وتيرة التعافي في اقتصاد المملكة سيعتمد بشكل حاسم خلال الأسابيع والأشهر القادمة على السياسات والإجراءات التي ستتبعها (أو لا تتبعها) الحكومة، حيث ستحدد هذه السياسات عدة مؤشرات مهمة للأردن مثل عدد العمال الذين سيفقدون وظائفهم، وعدد المستأجرين الذين سيتم إخلاؤهم من بيوتهم، ونسبة الشركات التي ستعلن إفلاسها، ونسبة الديون غير العاملة عند البنوك، ومؤشرات الجريمة والفقر والبطالة، بالإضافة إلى إجمالي عائدات الدولة من الضرائب والرسوم وغيرها من البنود التي بالتأكيد سترسم المستقبل الاجتماعي والاقتصادي في الأردن لسنوات عدة.
في الوقت الحاضر وبالنظر إلى ما نشهده من أوضاع صعبة، لا شك بأن الحكومة تعي أن اقتصادنا الوطني ما زال يعيش في حالة اختناق، ولا نريد أن ننكر إلى ان هنالك العديد من القرارات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال الأزمة للتقليل من حجم الخسائر المباشرة على الاقتصاد الوطني حين أصاب فيروس كورونا قطاعات واسعة بضيق شديد نتيجة حظر التجوال وإغلاق المحال التجارية منذ العشرين من آذار (مارس). ومن أبرز هذه الإجراءات: تأجيل الأقساط المستحقة على المقترضين، وتخفيض أسعار الفائدة على أدوات السياسة النقدية، وتأجيل استحقاق ضريبة المبيعات لحين تسديد المبالغ المستحقة على قطاعات التموين والصحة والأدوية، وتأجيل أقساط الضمان الاجتماعي لفترة قصيرة، وإطلاق صندوق “همة وطن” لجمع التبرعات المالية من القطاع الخاص لمكافحة الوباء، الخ.
إنني أدرك تماماً أنه من السهل على أي شخص يعمل خارج الحكومة انتقادها وتقديم حلول قد لا يمكن تطبيقها في الواقع بسبب أمور وتعقيدات قد تكون غير معروفة لعامة المواطنين. ومع ذلك، فإنني أدرك أيضاً أن علم الاقتصاد علمنا أنه بدون تدخل حكومي مكثف (وبأشكال مختلفة) في مثل الظروف التي نمر بها، لن تتمكن الدولة من التغلب على الأزمة الاقتصادية بالحجم التي تواجهها الآن.
وبما أننا كلنا كأردنيين شركاء في مساعدة الوطن للخروج من هذه الأزمة، أعتقد أنه المطلوب حالياً أن تتكاتف الحكومة وفريقها الاقتصادي مع القطاع الخاص في هذه المرحلة، وأن تأخذ المزيد من الإجراءات والخروج بحلول مبتكرة، بالإضافة إلى تفهم أعمق لظروف القطاع الخاص وما يمر به في هذه المرحلة. إن الأزمة لا تنتهي بإنتهاء تفشي الفيروس، فمن المهم أيضاً أن تضع الحكومة خططاً للتعافي في مرحلة “ما بعد الأزمة” والتي تعادل أهمية التعامل الفعلي مع الوباء نفسه، وحيث يتعين على الحكومة وبسرعة تبني سياسات واضحة لتحفيز النمو الاقتصادي.
ومن منظور الرغبة في تزويد الحكومة بالنقد البناء(Constructive Criticism) والتوصية بتدابير محددة وعملية (وليست فقط نظرية) التي يجب اتخاذها (بناء على حوارات مع لاعبين رئيسيين في القطاع السياحي والصناعي)، أردت تلخيص بعض الإجراءات التي من الممكن للحكومة تنفيذها في أقرب وقت من أجل تقليل تأثير الأزمة على اقتصادنا. هذه الإجراءات هي كما يلي:
‌أ – تأجيل دفعات القروض البنكية: العمل مع البنك المركزي الاردني على تأجيل كافة دفعات القروض البنكية للشركات والأفراد حتى نهاية العام ودون أن يترتب على ذلك أي فوائد أو عمولات إضافية. فعلينا الأخذ بالاعتبار أن معظم القطاعات التجارية ونسبة كبيرة من العاملين في القطاع الخاص لا يوجد لديهم السيولة حالياً لسداد الدفعات المستحقة إما بسبب إغلاق معظم الشركات آخر عشرة أسابيع أو لأن الكثير من الموظفين لم يقبضوا رواتبهم كاملة (وبالطبع من الممكن لمن يملك السيولة أن يسدد الاقساط المستحقة عليه بإبلاغ بنكه المدين بذلك). ومن الممكن أن يكون تأجيل دفعات القروض البنكية للشركات مشروطة بالحفاظ على الوظائف والحد من توزيع أية أرباح.
ب -تأجيل دفعات الضمان الاجتماعي: على الحكومة اتخاذ قرار بتعليق تحصيل دفعات الضمان الاجتماعي وضريبة الدخل لنهاية العام (وعدم الاقتصار على تقليل النسب فقط)، حيث أن في هذه الظروف الاستثنائية لم تعد الشركات والمؤسسات قادرة على دفع رواتب العاملين فيها، فكيف يمكنها دفع اقتطاعات الضمان الإجتماعي والضرائب المستحقة؟ وهنا أريد ان أذكر بما صرح به مدير عام المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي قبل شهرين كيف ان القرارات التي تضمنها أمر الدفاع رقم (1) لها تأثير “محدود جداً” على أموال الضمان وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي وعلى الوضع المالي المستقبلي للمؤسسة.
ج -إنقاذ قطاع السياحة: ضرورة أن تقدم الحكومة خطة زمنية واضحة لعودة الطيران الخارجي والسياحة من غير أي ضبابية أو غموض، ومع اتباع الاحتياطات اللازمة بالطبع من حيث التباعد والنظافة، الخ. وتجدر الإشارة هنا الى أن أكثر قطاع تأثر بسبب أزمة “كورونا” هو القطاع السياحي بجميع فئاته والتي تشمل الفنادق، الطيران، المطاعم السياحية، المكاتب السياحية، الادلاء والنقل السياحي، والذي يعمل بها أكثر من 55000 عامل والذي درّ على الأردن 5.8 مليار دولار خلال العام 2019 (شكل 12 % من الناتج المحلي الأردني). وتشمل الإجراءات التي يمكن للحكومة القيام بها لإنقاذ قطاع السياحة: (1) توفير قروض ميسرة لهذه المنشآت بفائدة رمزية وحيث تقسط هذه القروض على مدة ثلاث سنوات على الاقل، (2) مساعدة المنشآت السياحية من خلال الضمان الاجتماعي على دفع رواتب العاملين بالقطاع السياحي بنسبة 50 % لغاية نهاية 2020 لتجنب المنشآت من تسريح العمالة لديها، (3) خفض فواتير المياه والكهرباء بنسبة 50 % في المنشآت السياحية لمدة 12 شهر وحتى قدوم الموسم السياحي في العام 2021، (4) العمل على فك الكفالات البنكية المحجوز عليها للمكاتب السياحة والتي تصل لـ 40 مليون دينار.
‌د -إعادة هيكلة ضريبة المبيعات على المنتجات الأردنية: العمل على إعادة هيكلة ضريبة المبيعات وتخفيف العبء الضريبي في ضوء التراجع الحاد في القوة الشرائية الناتج عن شح السيولة المذكور وتعطل الإنتاج طيلة الفترة الماضية. ومن الممكن هنا أن تخفض الحكومة ضريبة المبيعات بقيمة
50 % على السلع والخدمات على كافة “المنتجات الأردنية” والتي من شأنها أن تعزز الصناعة الوطنية وتحفز المواطنين على شراء منتجات “صنع في الأردن”. وسترسخ هذه الخطوة مبدأ الاعتماد على الذات خصوصا وأن الصناعة الوطنية لعبت دوراً مهما خلال الازمة في تأمين احتياجات المملكة من مختلف السلع الاساسية والغذائية والأدوية والمستلزمات الصحية.
هـ -مساعدة قطاع الصناعة: تساهم الصناعة بنسبة 27.6 % من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف حوالي 24.7 % من القوى العاملة في 18 ألف منشأة صناعية بمختلف مناطق المملكة مما يدل على الأهمية الكبيرة لهذا القطاع، وضرورة أن تدعم الحكومة وبسرعة الصناعة المحلية من خلال تخفيض الضرائب والرسوم على الشركات الصناعية بنسبة 50 % ولمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، بالإضافة لخفض تكاليف الإنتاج، وخصوصا تكاليف الطاقة (في ظل انخفاض أسعارها عالميا) من خلال إلغاء بند فرق أسعار الوقود وتخفيض التعرفة الكهربائية على القطاع الصناعي بنسبة 50 % (من خلال هيكلة التعرفة الكهربائية).
و-زيادة برامج تمويل ضمان الصادرات: ضرورة تخصيص مبالغ إضافية لغايات برامج تمويل ضمان الصادرات من البرامج التي أطلقها البنك المركزي وحيث أن الصادرات تعد مفتاحا لزيادة الإنتاج والتوظيف وتعزيز احتياطي المملكة من العملات الأجنبية.
ز-الاستمرار في السعي للحصول على المنح الدولية: ضرورة الاستمرار بالعمل المكثف للحكومة للحصول على منح وتمويل إضافية من المجتمع العالمي ومن خلال نشاط وزارات الخارجية والمالية والتخطيط الدولي.
ح-إنشاء صندوق استثمار سيادي للإنعاش الاقتصادي والتنمية: تأخر الأردن في اعتقادي في إنشاء “صندوق استثمار سيادي” والذي كان من الممكن تمويله من خلال استعمال جزء من إيرادات عمليات الخصخصة خلال الفترة 1998 إلى 2008، عندما خصصت الحكومة الأردنية أربعة عشر شركة مملوكة للدولة في قطاعات الاتصالات والكهرباء والنقل الجوي والتعدين وقطاعات أخرى. ومع ذلك، لم يفت الأوان لإطلاق مثل هذا الصندوق على الرغم من الوضع المالي السلبي العام للمملكة، حيث يكون الصندوق السيادي الأردني مختلفا عن مثيله في الدول الخليجية التي تعتمد على استغلال فوائضها المالية النفطية. فبالنسبة لنا، بإمكان الحكومة أن تسعى مبدئيا لاستغلال “أصولها المهدرة” من خلال الاعتماد كأساس على الثروة العقارية الهائلة التي تمتلكها الحكومة حالياً من أصول عقارية عديدة (المباني والأراضي والعقارات التابعة للحكومة في مختلف أنحاء المملكة) والتي أغلبها غير مستغل بطريقة مثلى والتي ليس لها أي عائد مالي للحكومة ولا الموازنة العامة، أي بالإمكان اعتبارها عبئا على الدولة.
وبالإضافة إلى الاصول العقارية الحكومية، وكما فعلت عدة دول عندما أطلقت صناديقها السيادية، من الممكن تغذية الصندوق السيادي الأردني من خلال تحويل 250 مليون دينار من الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي (بشكل استثنائي) و 250 مليون دينار إضافية من الحكومة (من خلال الاقتراض المحلي) حيث نطلق صندوقنا السيادي بقدرة مالية تعتبر أقل من اخواننا في السلطة الفلسطينية الذين لديهم (Palestine Investment Fund) أو صندوق الاستثمار الفلسطيني الذي تتجاوز أصوله عن المليار دولار وحيث 90 % من استثماراته هي في فلسطين.
ومن الممكن أن يبدأ الصندوق السيادي الأردني باستثمار أمواله في الشركات السياحية والصناعية الكبرى في القطاع الخاص (سواء كانت شركات مساهمة عامة أو مساهمة خاصة) من خلال ضخ رأس مال جديد في هذه الشركات(Capital Injections) وعلى وجه التحديد تلك التي تضررت كثيرا من آثار وباء “كورونا”. فعلى سبيل المثال يوجد في المملكة عدة فنادق ومنتجعات سياحية في العاصمة ومنطقة البحر الميت والعقبة التي تم الاستثمار بمئات ملايين الدنانير بها والتي أثقلتها الديون البنكية والفوائد المرتفعة واضطرابات المنطقة وحيث توظف هذه الشركات آلاف العاملين الأردنيين. ومن المحتمل أن لا تستطيع هذه الشركات بالاستمرار في عمليتها على المدى المتوسط ومن الأغلب أنها تفكر جدياً في تسريح آلاف العمال مما سيؤدي إلى ارتفاع البطالة وعدم القدرة على النهوض بالقطاع السياحي عندما تنحسر أزمة “كورونا”.
وبالتالي، إن الهدف من توسيع قاعدة الملكية للحكومة (من خلال الصندوق السيادي) هو مساندة الشركات الكبيرة والمتوسطة المعطلة للوقوف على قدميها من جديد وزيادة مساهمتها في الناتج القومي الإجمالي والتقليل من حجم الديون المثقلة بها هذه الشركات للبنوك. ومن المؤكد أن ضخ رأس مال جديد في المشاريع والشركات الكبيرة والحيوية في المملكة سيعود بالنفع على البنوك التي ستتمكن من استرداد جزء لا بأس به من قروضها والتي سيمنحها سيولة إضافية للاقراض وتفادي أخذ أي مخصصات على الديون غير العاملة.
ومن خلال الصندوق ستستطيع الدولة أن تنشط سوق عمان المالي من خلال شراء “أسهم زيادة” فى الشركات المدرجة في البورصة حيث من الممكن أن يعمل الصندوق على زيادة الاستثمارات الحكومية، والمساهمة فى تطوير الشركات والمصانع الكبيرة في المملكة، مع شرط أن لا تتجاوز ملكية الصندوق عن 40 % من أسهم أي شركة، والباقي سيكون مملوكاً للمساهمين. ومن الضروري بالطبع أن يعمل على فصل ملكية الدولة للصندوق عن الإدارة من خلال الاستعانة بشركة إدارة لها خبرة في إدارة الصناديق السيادية، حتى تتمكن من إدارة الأصول وتحقيق الأرباح في المستقبل بحيث تدخل الصندوق كشريك مؤقت في العديد من الشركات الكبرى والمتوسطة بهدف تنميتها بشكل منافس ودعمها لفترة زمنية تتراوح من 3 إلى 5 سنوات، ثم الإنسحاب او التخارج (Exit) والانتقال لمرحلة ثانية من التطوير لقطاعات أخرى، لتصبح هذه القطاعات قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية، إضافة إلى توفير الحوافز لهذه القطاعات من إعفاءات ضريبية وحماية جمركية، وخفض سعر الفائدة على القروض، وتحجيم المعيقات الإدارية البيروقراطية في الجهاز الحكومي.
في النهاية، من المؤكد بأن الوباء سيخضع للسيطرة عندما يتم تطوير لقاح أو دواء والذي من المتوقع ان يحصل خلال العام 2021. وحينها سيبدأ الاقتصاد العالمي في العودة إلى أدائه الطبيعي الذي سيحدث عاجلاً ام آجلاً. أما في الوقت الحاضر، وطالما استمرت الظروف الاستثنائية، فعلى حكومتنا ان تعي أن دورها الرئيسي في هذه المرحلة ما زال العمل على تدخل أكبر في الاقتصاد. فعلى عكس حالات الانكماش الاقتصادي التقليدية، ان انخفاض الناتج المحلي في هذه الأزمة لن يحركه “الطلب الكلي” (على الأقل ليس على الفور) وبالتالي، فإن دور السياسة الاقتصادية حالياً هو التدخل الفعلي والكبير في الاقتصاد وحماية شبكة العلاقات بين العمال وأصحاب العمل، والمنتجين والمستهلكين، والمقرضين، وبحيث يمكن استئناف العمل بشكل جدي عندما تختفي الأزمة.

*الرئيس التنفيذي – إثمار انفست

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock