تحليل إخباري

خريف الانتخابات

محمد أحمد الزواوي

ما أن يطل ذاك الخريف الرابع حتى تطالعك بمجرد خروجك من بيتك صور المترشحين للانتخابات النيابية، التي تشتعل من جديد مع حلول استحقاقها الدستوري في الخريف كل أربعة أعوام. في كل موسم انتخابي تكتسي عمان كغيرها من المدن الأردنية بوسائل الدعاية الانتخابية، معظمها يحمل صور المترشحين أنفسهم كل مرة، مع شعارات صماء غالبا ما تكون مصاغة بالأمر أو النهي.
الصور ذاتها لنفس الأشخاص الذين طبعوا في أذهان سكان الأحياء التي يتسابق المترشحون على تعليق صورهم فيها كل مرة، بالنسبة للسكان فأصحاب الصور لا يكادون يشيخون أبداً يرسمون إما نفس الابتسامة المتكلفة أو النظرة المتجهمة في كل مرة، صور أصبحت محفورة في الأذهان بحيث أنك تستطيع رؤيتها حتى بعينين مغمضتين.
التعليق هنا ليس على الأشخاص ولا على ما أو من يمثلون، بل على الأسلوب الذي درج بطريقة أصبحت منفرة تماماً من كل مفهوم الانتخابات بحد ذاتها، فلا الوجوه تتغير، ولا من سينجح سيتغير. لا أدري كيف أصبحت الدعاية الانتخابية مجرد صورة شخصية، ومتى أصبح المترشح ابتسامة متكلفة خاوية. بعد كل المواسم الانتخابية المتتالية، أكاد أجزم تقريبا أن لا أحد يستطيع أن يقرأ – فيما وراء تلك الصور الصماء – التوجهات السياسية أو البرامجية التي يحملها صاحب الصورة أو حتى كتلته الانتخابية.
لعل ما يلقي الغصة في القلب أكثر من الصور بحد ذاتها، تلك الشعارات الممهورة تحت الصور بأحرف صغيرة كتبت على استحياء، تعبر عن كل شيء باستثناء ما يتسق والدور الدستوري الذي ينبغي أن يقوم به النائب. شعارات تتراوح بين رومانسية مفرطة تبدأ من تحرير فلسطين من البحر الى النهر، الى القضاء على الفساد، الى شعارات ربما لا تحمل حتى أي معنى وكأنها كتبت على عجل فقط لتملأ تلك البقعة من الصورة.
معضلة الدعاية الانتخابية ربما تنجم عن عدم إدراك المرشح للدور الوظيفي للمجلس النيابي، وفراغ الشارع السياسي من توجهات حزبية، فلا تكاد تعرف التوجه السياسي لأي منهم سوى بعض اليساريين وبعض اليمنيين هنا وهناك، فيما عدا هؤلاء، فربما تقضي يومك متجولاً بين الصور لا تعرف أين تقف من الشارع السياسي الذي ربما قلما تجد مثيله في العالم، أضف الى كل ذلك، أن الصور لم تعد موجهة الى حشود مستهدفة بعينها، فهي على أرض الواقع لا تتماهى مع واقع أحد باستثناء عائلة المرشح وأقربائه وأصدقائه.
يحمل موسم الخريف للكثيرين في طياته نسائم باردة، لاتخلو من كآبة تكاد تشتم رائحتها أكثر كل أربع سنوات عندما تتزامن نسمات الخريف وموسم الصور المعلقة في كل مكان. هذه الاجواء تهيمن كل مرة أكثر فأكثر على نسبة المشاركة في الانتخابات وتعزز ثقافة – ربما باتت شعبية- تنعكس على زيادة عزوف عن ممارسة حقهم الانتخابي الذي لم يعد يعنيهم كثيراً في ظل انفصال تلك الصور المعلقة كل مكان عن واقعهم.
شرائح كثرة أصبح لديها قناعة راسخة أن كثيرا من تلك الصور سيتساقط في نهاية الأمر بعد نهاية موسمها مع تساقط أوراق الشجر في منتصف الخريف، تاركةً وراءها غصونا عارية جافة لا تغني ولا تسمن من جوع، وهذا الخريف سيمضي مثلما مضى الخريف الذي سبقه، وتبقى الصور مؤرشفة في الأذهان في القشرة البصرية من الفص الصدغي تحت ركام عديد الصور المخزنة عبر مواسم خريفية متكررة.
يدرك الكثيرون أن تلك الفروع ممكن أن تزهر، في حال وجود الإرادة لذلك، كما يمكن لتلك الصور أن تستبدل بأفكار وبرامج تماهي واقع الناخبين وتدفعهم ليتخلوا عن عزوفهم -الذي أصبح مزمنا- عن موسم هذا الخريف. لكن حتى يأتي ذلك الوقت سيبقى الكثيرون في موسم الخريف مارين في الطرقات بعجالة ليتخلصوا من الضوضاء البصرية ويسارعوا في العودة الى منازلهم ليستعدوا لفصل الشتاء الذي يتعجلون قدومه ليغسل شوارعم من جديد.

انتخابات 2020
25 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock