أفكار ومواقف

خسرنا أخلاق الثوار ورسالة الإعلام

حتى اللحظة الأخيرة ظل الناتو مساهما فاعلا في الثورة الليبية، فطائراته هي التي اعترضت موكب القذافي الهارب من آخر معاقله في سرت، وهي التي سلمته جريحا إلى رجال الثورة. نعم كسبت الثورة بانتهاء عصر العقيد، لكننا خسرنا في يوم الخميس أخلاق الثوار ورسالة الإعلام العصرية.
على افتراض أن الثوار قاموا بقتل القذافي، فإن ذلك مشهد مؤذ لكل نفس بشرية، فمن يقول بأن يقتل أسير حرب، حتى لو كان أعتى القتلة والأكثر دكتاتورية في العالم.
الثورة تعيش على أخلاق الثوار، وتنمو على احترام حقوق الإنسان، أما أن تنزلق وتفعل ما كان يفعله الدكتاتور نفسه فهذا ليس مقبولا، ويجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا خوفا من الأيام المقبلة.
العالم شاهد القذافي أسيرا مجروحا في يد الثوار، لا بل كان من هول الصدمة غير طبيعي في الحركة ولا النظرات، وبعد لحظات وعلى وقع هتافات الله أكبر، وثوار ملتحون، شاهد العالم القذافي مقتولا ومسحولا وآثار العنف على جسده، هذا في العرف الأخلاقي يدل على بربرية وهمجية تشبه إلى حد التطابق همجية البلطجية والشبيحة والأنظمة الدكتاتورية، التي تنزع حنجرة شاعر، وتسكب ماء النار على يد صحافي، وتهشم أصابع رسام كاريكاتير.
في المشاهد الكثيرة المنقولة عبر الفضائيات، واليوتيوب، ومشاهد الثوار يصورون جثة القذافي، ويعبثون بها، سقط عدد من الثوار في امتحان الأخلاق واحترام حقوق الإنسان، كما سقطت وسائل الإعلام وبخاصة الفضائيات التي أعادت مشهد القذافي مسحولا ومشهد ابنه حيا ومتكئا على سيارة وبعد لحظات مقتولا برصاصات في الرأس والبطن، وكذلك وزير دفاع القذافي.
ما يحدث في العالم العربي من ثورات ومتغيرات وتطورات سيكون له تأثيره المباشر وغير المباشر على المنطقة والعالم، وإن لم يكن في المستقبل القريب فسيكون له أثره في المستقبل البعيد. إنها أحداث تواكب مرحلة تاريخية مهمة في تاريخ المنطقة والعالم، وهي ليست فقط سياسية، وإنما تشمل المجالات والميادين كافة، والتي سوف يكون لها أثرها الإيجابي والفعال، ولكنها في الوقت نفسه مثل كل شيء يحتاج إلى الوقاية والحرص والاحتراس، فلا بد من إجراءات السلامة وضمانات عدم الانجراف نحو الهاوية التي قد يكون فيها ما يحتاج إلى الرؤية المتعقّلة والحكيمة في التعامل مع هذه التطورات.
قلنا في السابق: الثورة الليبية تأكل بعضها، وكان ذلك استنتاجا من حادثة مقتل واحد من أعلامها وركائزها على يد أبنائها، حسب التقارير المتوافرة آنذاك، وكنت أعني اغتيال اللواء عبدالفتاح يونس في ظروف “غامضة”.
وقالت منظمات دولية إن الثوار الليبيين يقومون بتصفية المعتقلين المؤيدين للقذافي، وإن هناك خروقاً لحقوق الإنسان كبيرة وكثيرة تسجل على المجلس الوطني الانتقالي، وبخاصة بعد سقوط طرابلس وتحريرها من القذافي وفلوله.
وإذا ما صح كل ما ذكرناه فإن ليبيا تكون قد قطفت ثمرة شديدة المرارة من إسقاط نظام استبدادي شمولي مجرم لتستبدل به نظاما أكثر استبدادية وشمولية وإجراماً.
الأخلاق مطلوبة حتى في أقصى حالات الحروب والنزاعات، بل تصبح أكثر إلحاحا أثناء ذلك، والتمثيل بالجثث والجرحى لا يقبله عقل ولا تقره ديانة ولا ينص عليه قانون في الدنيا.
لا أريد أن يفهم أحد كلامي على أنني من أنصار القذافي أو من المتعاطفين معه أو أنني أخذتني العاطفة برؤيته مقتولاً، فهو من الناحية السياسية لاقى مصيراً اختاره لنفسه وعمل عليه طيلة 40 عاما، والأدهى أنه اختار ذات المصير لأبنائه معه، وهو الذي جاءته الفرصة تلو الفرصة لإنقاذ ليبيا مما وصلت إليه الآن ولإنقاذ نفسه وأسرته والمقربين منه، لكن عمى البصيرة والغرور أوصلاه إلى مصير محتوم، لعل رؤوساً أخرى ستلاقي هذا المصير شمالاً أو جنوباً عندما يحين الوقت المناسب لذلك، فهل من معتبر، وهل ينفع الاعتبار الآن بعد شلالات الدماء التي سالت وتسيل كل يوم؟ أليس من العجيب أن تتكرر نهايات الطغاة والمجرمين وتتشابه فيما بينهم، مع أنهم كانوا يملكون الفرص المناسبة والكافية للنجاة وإصلاح ما فسد؟ لنتذكر أن القذافي قال في إحدى القمم العربية للقادة العرب: ربما تلاقون مصير صدام حسين، فضحكوا، ولاقى هو المصير أو أسوأ منه!

‫7 تعليقات

  1. قتل امرىء فى غابة مقابل مسألة فيها نظر
    سبحان الله اصبحتا بفعل الاحداث المتلاحقة منظرين اكثر من الشهداء ومجربين اكثر من الجرحى ومقتحمين اكثر من كنائب البطولة فى مصراته وأخواتها او هكذا نظن انفسنا اما الامهات الثكالى والارامل والايتام والثمن الغالى من عرق ودموع ودماء وانات الشعب الليبي المقدام فكلها تتغافل عنها ماكينة اعلام الدول الكبرى التى لا تخشى الله فى مصادرة حرية وكرامة ومقدرات الشعوب المستضعفة وثد اثبت رجال الامة الشجعان انه لا يضير القافلة الاصوات النشاز من هنا وهنالك فالحدث جلل والانجاز تاريخي وكبير وقد فتحت ابواب الحرية والكرامة على مصراعيها واصبح بمقدور امتنا العظيمة ان تستعيد امجادها مهما بلغت التضحيات شاء من شاء وابى من ابى.

  2. الاخلاق العربية والاسلامية
    لا فض فوك استاذ اسامة, مقال رائع وجميل فالقضية هنا كما تفضلت هي اخلاق الثورة والثوار فقتل رجل اعزل والتمثيل بجثته مع صيحات الله اكبر يجب ان لا تمثل الاخلاق العربية والاسلامية

  3. صدقت استاذ أسامة
    أثناء مشاهدتي لتلك المشاهد انتابتني مشاعر الضيق و الأسى ليس حزنا على شخص استخق مصيره الذي صنعه بيديه .. و لكن حزنا على اشخاص هم في مطالبتهم بحريتهم و بذل روحهم في سبيلها استحقو كل الاحترام و التقدير فمن المؤلم ان يخسروا احترامنا الكبير لهم لكنني حاولت ان أجد لهم مبررات تعود لغضبهم و حنقهم الشديد .. كما انتابتني مشاعر القلق من الآتي .. تمنياتنا بكل الخير للشعب الليبي عسى المرحلة القادمة تحمل لهم السلام و التعويض عن السنين المعتمة.

  4. لنكن واقعيين
    جرأة كبيرة منك أن تكتب بهذا المنطق في وقت غاب فيه عن عقول كثيرين. أصبحت القاعدة السائدة أن من هو ليس معي بل من لا يوافقني فهو ضدي، فقسمنا الناس كما فعل جورج بوش وبن لادن إلى فسطاطين "الحق والباطل".
    الواقعية كما ذكرت أن من أسقط الدكتاتور القذافي هو حلف الناتو و"الثوار" مجرد من يقومون بأعمال التشطيبات القذرة إلا من رحم ربي. حلف الأطلسي لم يقم بصرف هذه المليارات كرمال عيون الشعب الليبي المظلوم، فالظلم موزع بين معظم أنظمة العالم الثالث وهذا الحلف لم يحرك ساكنا بل ساند ويساند كثيرا من هذه الأنظمة بما فيه نظام القذافي نفسه الذي سلموه كثيرا من معارضيه الذين أصبحوا في صفوف "الثوار" يتلقون الدعم ممن اعتقلوهم فهل عناك مهزلة أكبر من هذا. سيبدأ الحلف أو بدأ بالأحرى بقطف الثمار المتمثلة بالثروة النفطية الليبية و"مشاريع الإعمار" في محاولة بائسة لإنقاذ انقاذ اقتصاديات دوله المتهالكة بفعل الليبرالية المتوحشة التي ندفع نحن ثمنها، هي نسخة مكرورة عن العراق.
    من فعلوا ما فعلوه بأسرى الحرب وقلدوا مستبديهم بصورة أسوأ على الملأ وأمام شاشات العالم يحتفلون ويتصورون بجانب الموتى شامتين في مشاهد تذكرنا بصور أبو غريب محتفلين بنصر لم يصنعوه أبدا، ومن يهتفون "زنقة زنقة دار دار قذافي يا حمار" مجموعة من المراهقين لا يصلحون لإنشاء دولة.

  5. لكن لاننسى
    لكن لا ننسى ايضا ان الثوار الذين امسكو بالقذافي هم من الاعمار الصغيرة واعتبر تصرف البعض غير مسؤول بحكم العمر
    ولا ننسى ايضا ان نفس الثوار تفاجئو بوجود القذافي بينهم فجئة ، لنلاحظ الهستريا التي اصابت الثوار واصابت القذافي ايضا ، قد غاب العقل في هذا الموقف ، فالنعذرهم على تصرفهم بعد 42 عاما من الاسى

  6. كلمة حق يراد بها باطل
    لم يتم بعد تبديل النظام فكيف نصفه أكثر شمولية واستبدادا ومن العجيب أن نرى هذه المثاليات بعد موت المجرم ولم نرها يوم كان يقوم بقتل عشرات الألوف ولو كان البعض تجرع ما تجرعه الشعب الليبي من قتل وسجن واغتصاب لكان الحكم مختلفا ولكن الذي يأكل العصي مو متل اللي بعدها


  7. لقد وقع القذافي أسيرا بيد كتيبة من مدينة مصراتة….مصراتة التي حاصرها القذافي أشهر و قذفها بكافة أنواع القذائف و دمرها تدميرا كاملا… القذافي لم يتردد للحظة واحدة عندما أخذ قرارا بقتل كل من يخرج على طغيانه و جنونه…القذافي الذي قتل 1200 مسجونا…أعيد و أؤكد على مسجونا
    فكيف نتوقع من أهالي مصراتة أن يتصرفوا عندما يقع هذا الوغد بين أيدهم و هو الذي قتل أبناؤهم و آباؤهم و إخوانهمعلى مدى أشهر دون أن يرف له جفن عين…نعم إنهم ثوار ..و لا يجوز أن نطالبهم بأن يكونوا آلهة أو أنبياء معصومون

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock