أفكار ومواقفرأي اقتصادي

خصخصة التدريب المهني

اللافت في تصريحات وزير العمل، نهاية الأسبوع الماضي، ليس قوله أو تقويله “تحولنا لطفرة ابن المزارع أصبح دكتورا وابن الفران أصبح مهندسا” على خطورة دلالاتها التمييزية، بل إعلانه أنه يتمنى “خصخصة التدريب المهني”، مبررا ذلك أن التدريب المهني فقد قوته وتراجع لأنه حكومي.
وفي هذا السياق، نعتقد أن الأداء المتواضع لمؤسسة التدريب المهني المنتشرة معاهدها البالغة 40 في مختلف محافظات ومناطق المملكة، جاء كنتيجة حتمية للسياسات الحكومية المختلفة المتعلقة بالتعليم والتدريب المهني والتقني، وأن المؤسسة لو وجدت اهتماما حقيقيا من قبل الحكومات المتعاقبة، لما وصلت الى هذا المستوى من الأداء المتواضع، وليس لأنها مؤسسة حكومية، كما أشار الوزير في تصريحه.
بالرغم من تأكيد الأجندة الوطنية والاستراتيجية الوطنية للتشغيل والاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية، ضرورة الاعتناء والاهتمام بالتعليم التقني والمهني لمواجهة وتجاوز التحديات التي يواجهها سوق العمل الأردني ومعدلات البطالة المتنامية خاصة بين الشباب والشابات، الا أن السياسات الحكومية المختلفة أضعفت هذه المؤسسة.
العديد من المؤشرات تفيد أن هنالك توجها مقصودا لإفشال عمل مؤسسة التدريب المهني بسبب الإهمال الذي تعرضت له خلال العقود الماضية، من حيث مدخلاتها من الطلبة والموارد وطريقة إدارتها.
كيف لمؤسسة التدريب المهني أن تعمل بفاعلية وموازنتها لا تتجاوز 13 مليون دينار سنويا، ثلاثة أرباعها تقريبا تذهب الى النفقات التشغيلية، وليس للبرامج التدريبية ذاتها ومتطلباتها من تقنيات وأدوات وأساليب تدريب. ورغم الحديث الرسمي المتكرر عن ضرورة التحول من التعليم الأكاديمي الى التعليم المهني والتقني، فإن موازنتها لم تزدد بشكل ملموس منذ أعوام طويلة.
وكيف لأداء مؤسسة التدريب المهني أن يتحسن ومدخلاته من الطلبة بقيت على ما هي عليه منذ إنشاء المؤسسة قبل أكثر من أربعة عقود؛ حيث يتم إرسال الطلبة الذي أخفقوا في اجتياز المرحلة الأساسية بنجاح اليها من دون الأخذ بعين الاعتبار ميولهم ورغباتهم وقدراتهم، وأصبح طلبة هذه المؤسسة “موصومون” بالفشل، الأمر الذي دفع قطاعات كبيرة من الطلبة وأولياء أمورهم للعزوف عن الالتحاق بهذا المسار، والحقيقة أن آليات اختيار الطلبة وتوزيعهم هي التي تعاني من الفشل وليس الطلبة.
وكيف لمسار التعليم المهني ومؤسسة التدريب المهني ألا يتراجع في الأردن وموازنة الإرشاد والتوجيه المهني في وزارة التربية والتعليم لا تتجاوز خمسة آلاف دينار أردني سنويا.
وكيف لمسار التعليم المهني ومؤسسة التدريب المهني أن يتقدم، ونحن ماضون قدما في التوسع المنفلت في التعليم الجامعي على حساب التعليمين المتوسط والمهني؛ إذ لدينا ما يقارب ثلاثين جامعة غالبيتها خاصة، حتى أن الجامعات الحكومية أصبحت تقبل آلاف الطلبة وفق معايير الجامعات الخاصة لمواجهة تراجع الدعم الحكومي لها، الأمر الذي قلب هرم التعليم رأسا على عقب؛ حيث يبلغ عدد الطلبة الملتحقين في الجامعات عشرة أضعاف طلبة التدريب المهني والمتوسط.
وهنالك أسباب أخرى أدت الى تراجع أداء مؤسسة التدريب المهني، غالبيتها مرتبطة بالسياسات الحكومية، سواء تلك المتعلقة بضعف تنسيقها مع القطاع الخاص والضروري لتطوير محتويات البرامج التدريبية والتدريب العملي للطلبة، وهو المشغل الرئيسي لخريجيها، الى جانب الطرق الحكومية في تعيين إدارات المؤسسة العليا.
خلاصة القول إن من واجب الحكومة الاعتناء بهذا المسار من خلال سياسات وإجراءات فعلية، وليس فقط من خلال الخطابات والتصريحات؛ حيث أثبتته الممارسات الفضلى في الدول المتقدمة، وكما تشير إليه اتفاقيات منظمة العمل الدولية وتوصياتها ذات العلاقة، لأن هذا واجب الدولة، وعليها ألا تفكر بخصخصة هذا القطاع، الذي سيؤدي بالضرورة الى تعميق اللامساواة في التعليم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock