أفكار ومواقف

خطأ استراتيجي جديد لإيران

قررت إيران أن تستأنف العمل بتخصيب اليورانيوم، متجاوزة النسبة التي نص عليها الاتفاق الذي ما يزال قائما بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي. تلك النسبة ما تزال حتى اليوم ليست عند حدود القدرة على تصنيع قنبلة ذرية أو نووية، لكن تجاوزها عن المتفق عليه رتب الكثير من الاستحقاقات السياسية والقانونية، ودلل على تخبط وانعدام بصيرة سياسية لدى صناع القرار في طهران. المعنى الاستراتيجي لزيادة التخصيب وتجاوز الاتفاق النووي مع الأوروبيين بعد انسحاب الولايات المتحدة منه هو أن طهران تدفع دول الاتحاد الأوروبي وكأنها تطلب منها أن تنضم لأميركا وتنسحب من الاتفاق. ما كان يجب أن تفعله طهران العكس تماما، بإن تظهر التزاما وحسن نوايا مع من التزم معها بالاتفاق لا الانقلاب عليه.
في معرض تبرير طهران لزيادة نسبة التخصيب بأكثر مما هو متفق عليه، قال مندوبوها في مجلس الأمن وفي اجتماعات الهيئة الدولية للطاقة الذرية، ان طهران توقعت من الأوروبيين أن يعوضوها عن خسائرها جراء العقوبات الاقتصادية الأميركية المتزايدة!! هذا التفكير الإيراني يفترض أن الأوروبيين سيواجهون عقوبات حليفتهم الولايات المتحدة من أجل تحالفهم ومصالحهم مع طهران! أي عبقري يعتقد أن الأوروبيين سيفعلون ذلك؛ لا يستقيم هذا المنطق لا مصلحيا برغماتيا ولا ايديولوجيا ولا حتى قانونيا. من فكر بهذه الطريقة من صناع القرار في طهران غائب تمام عن ابسط فهم للعلاقات الدولية، ومغرق في مبالغته بثقل إيران التي يعلم كل متبصر انها نمر من ورق تمتلك فقط حنجرة كبيرة.
النتيجة الأولية لقرار طهران بزيادة التخصيب كانت اغضاب الأوروبيين ودفعهم للتفكير أكثر بالانفكاك من الاتفاق مع طهران، والنتيجة الثانية حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية الأميركية المؤلمة لإيران والتي تدفعها للافلاس والانفجار من الداخل. العقوبات الجديدة وما سبقها ستجعل إيران أمام استحقاقات استراتيجية مفصلية في ان تستمر دولة مصدرة لعدم الاستقرار الاقليمي والعالمي، تتذاكى في اسماع العالم ما يريد ان يسمع وتفعل عكسه وتواجه العالم والاقليم نتيجة لذلك، او ان تصبح دولة طبيعية كباقي دول المنظومة الدولية لا تتدخل بشؤون جيرانها ولا تعبث بأمنهم وهو ما لا نراه سيحدث ضمن عقليات صناع القرار التي تحكم طهران.
برنامج إيران النووي وبال عليها وليس عنصرا من عناصر قوتها. حتى لو تغاضى كل العالم عن ذلك البرنامج وعن سلوكيات إيران الأمنية والعسكرية، فدول الاقليم لا تستطيع ان تفعل لانها على خط التهديد المباشر من طهران. هذه الدول ستبني برامج نووية وتسليحية اشرس من تلك التي لدى طهران اذا ما اضطرت لذلك، ونعلم انه منذ سنين كان هناك محاولات واضحة لتلك الدول للحصول على قنبلة نووية لخلق حالة من التوازن والردع النووي مع طهران التي تتصرف وكأن لا أحد يستطيع ايقافها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock