آخر الأخبار

خطأ في تشخيص حالة طفلة يحرمها من التعليم

رانيا الصرايرة

عمان– لم تجد أم نور بديلا لحل مشكلة ابنتها إلا بإخراجها من مدرستها الحكومية وإلحاقها بمركز لذوي الإعاقة، لكن حالة الطالبة تفاقمت واضطرت الى ترك المركز بعد ثبوت أن حالتها لا تتطلب وجودها في المركز.. ليتبين فيما بعد أن المشكلة ليست في ابنتها ولكن في “خطأ في تقييم حالتها”.
وتظهر حالة نور مدى الحاجة لوجود كادر طبي ونفسي مؤهل في الأماكن التي تقوم بعملية تقييم وتشخيص الأطفال الذين يواجهون مشكلات دراسية ونمائية.. فهناك حالات “سلوكية قد تبدو مرضية ولكن يمكن علاجها منذ الصغر في حال تم اكتشافها وتشخيصها”.
وتروي ام نور لـ”الغد” ما حدث لابنتها، مع دخولها الصف الاول الابتدائي، بقولها: “ما كاد يمر أسبوعان على بدء الدوام حتى استدعيت الى إدارة المدرسة للشكوى من عدوانية ابنتي وزيادة حركتها وعدم انتباهها لما تقوله مدرستها”.
وتضيف: “كانت المعلمة منزعجة جدا من نور، وكنت أحاول تهدئتها في كل مرة، ولكن قبل نهاية الفصل الأول استدعوني وقالوا لي إن نور دفعت إحدى الطالبات على الدرج وكادت تؤذيها بشدة، ونصحوني بإدخالها مركز احتياجات خاصة، لأنه المكان المناسب لها”.
ونتيجة العوز المادي لعائلة نور، لم تستطع الأم عرض ابنتها على اخصائي تشخيص قبل إرسالها الى المركز.
وفي المركز، تم أيضا إدخالها دون إجراء الفحوصات اللازمة، ومع الوقت تبين للأم أن حالة ابنتها بدأت تسوء أكثر فأكثر، والسبب اختلاط نور بأطفال حالتهم أصعب من حالتها.
ومع الوقت، اضطرت أم نور التي تسكن في أحد مخيمات العاصمة، إلى إخراج ابنتها وإبقائها في البيت، مفضلة البحث عن طريقة أخرى للتعامل مع حالتها، وبعد إخراجها راجعت أحد مراكز وكالة الغوث في سبيل الحصول على نصيحة تساعدها لإيجاد حل لمشكلة ابنتها.
وكالة الغوث بدورها، حولت نور الى وحدة الدعم النفسي في منظمة العون القانوني، وهي المنظمة الوحيدة من المنظمات التي تقدم خدمة المساعدة القانونية لمحتاجيها، وهناك تم تشخيص الحالة بأن نور “تعاني من فرط الحركة وتشتت انتباه، ويمكن أن تتحسن في حال خضعت لجلسات علاج”.
ومن حسن حظ نور أن وحدة الدعم النفسي في المنظمة كانت أطلقت بالتزامن، وبالتعاون مع عدد من أخصائيي الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، الشبكة الأردنية للدعم النفسي، التي تعنى بتقديم خدماتها لمحتاجيها من الأردنيين بشكل تطوعي مجاني.
وحاليا، تتم معالجة نور في مركز ميرال لمعالجة الاضطرابات السلوكية والتوحد، ويشرف على علاجها عضو الشبكة الأردنية للدعم النفسي مدير المركز أخصائي تعديل السلوك الدكتور نبيل حميدان، الذي بين لـ”الغد” أن نور “تعرضت لتشخيصات خاطئة حرمها من مواصلة تعليمها في المدرسة، وفاقم من حالتها النفسية إرسالها الى مركز لذوي الاحتياجات الخاصة وهي غير محتاجة له، وهو ما أدى لظهور سلوك عدواني لديها”.
تقول ام نور: “ابنتي تحسنت جدا الآن، وأفعل المستحيل من أجل الاستمرار في جلسات العلاج التي تكلف الواحدة منها في القطاع الخاص حوالي أربعين دينارا، لكن ورغم مجانية العلاج لدى الشبكة، فإن عدم توفر قيمة المواصلات يمنعني أحيانا من اصطحاب ابنتي للمركز”.
نور تعيش مع أسرتها المكونة من تسعة افراد، ويعمل والدها بوظيفة مراسل في إحدى الشركات، وهو مثقل بمصاريف اثنين من أشقائها يدرسان في الجامعة، وهو ما يجعل والدتها تبحث عن أجرة المواصلات لمركز معالجة صغيرتها أحيانا فلا تجدها.
أما الدكتور حميدان فيؤكد أن حالة نور وحالات أخرى مشابهة تم تحويلها عن طريق الشبكة، وتظهر الحاجة الماسة لتوسيع عمل الشبكة وأهمية ضمها لأعضاء جدد، لتغطية عدد أكبر من الحالات، مشددا على “أهمية إبراز العلاج النفسي كضرورة يحتاجها بعض أفراد المجتمع، ويجب توفير العلاج لهم بغض النظر عن حالتهم المادية”.
ولفت إلى أن خدمة العلاج النفسي مكلفة جدا، ولا يستطيع الجميع تحملها، وتحتاج الى وقت طويل، وهذا يجعل بعض الأهالي ينقطعون عن الجلسات حتى لو كانت مجانية، نظرا لعدم قدرتهم على تحمل نفقة المواصلات.
وهناك مشكلة أخرى تواجه أم نور حاليا، تتمثل في انقطاع طفلتها عن الدراسة، فيما ينصحها الاخصائي المتابع لحالتها بإعطائها دروسا تعليمية في أحد المراكز المتخصصة إلى أن يستقر وضعها، لكن هذه الدروس تكلف ما لا يقل عن 60 دينارا شهريا، وهو ما لا تستطيع عائلة نور تأمينه.
مديرة وحدة الدعم النفسي في منظمة أرض العون القانوني الدكتورة لينا دراس بينت أن الشبكة، التي بدأت نشاطها في شهر أيار (مايو) الماضي، استطاعت تأمين علاج لعدة حالات، وبمعدل حالة واحدة شهريا لكل عضو من أعضاء الشبكة البالغ عددهم حوالي 23 اخصائيا.
وجاء إطلاق الشبكة، بحسب دراس لـ”الغد”، جاء بعد أن “لمست المنظمة ممثلة بوحدة الدعم النفسي لديها، ومن خلال تعاملها مع المراجعين، زيادة الحاجة لخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي خاصة بين الأردنيين”، مشيرة الى أن اللجنة الدائمة المشتركة بين وكالات الأمم المتحدة، “تتبنى طرقا عديدة لسد احتياجات اللاجئين في هذا المجال، في حين أن الأردنيين لا تتوفر لهم هذه الخدمة”.
وأضافت: “خلال عمل الشبكة في الشهور السبعة الماضية، تأكدنا من أهمية وجود هذه الشبكة في ظل محدوية تقديم خدمة الدعم النفسي في القطاع العام، وارتفاع كلفتها في القطاع الخاص، ما يحرم فئة المعوزين ماليا من هذه الخدمة”.
ولفتت إلى أنه “بسبب طول فترة العلاج النفسي واحتياج المريض لعدة جلسات، ظهرت مشكلة عدم قدرة المريض على متابعة العلاج، ربما لعدم توفر مبلغ بسيط يغطي أجرة المواصلات”، مبينة أن المنظمة “تدرس حاليا البحث عن حل لهذه المشكلة، ونأمل توسيع عملها لتغطية عدد أكبر من الحالات”.
وتضم الشبكة 23 اختصاصياً في مجال الصحة النفسية ومجموعة من المعالجين المؤهلين في مجال الدعم النفسي الاجتماعي، والاضطرابات النمائية، والإرشاد النفسي والتربوي.
وأكدت ان الشبكة تتعامل مع حالات من كل الأعمار، على شكل استشارات  فردية، أو أسرية، أو زوجية، ويقدم أعضاؤها خدماتهم في محافظات عمان، والزرقاء، وإربد.
وينص دستور منظمة الصحة العالمية على أنّ “الصحة هي حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرّد انعدام المرض أو العجز”.
وكان التقرير العاشر للمركز الوطني لحقوق الإنسان أكد ضرورة “اعتبار الصحة النفسية جزءًا أساسياً من خدمات الرعاية الصحية، وزيادة عدد المراكز التي تعنى بالصحة النفسية لتغطي أقاليم المملكة كافة، وتوفير خدمات صحية للأطفال دون سن 18 عاما”، مؤكدا “عدم توفرها لهم إلا عن طريق العيادات النفسية”.

[email protected]

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock