ترجمات

خطأ قاتل: تراجع التأييد لسياسات مواجهة “كورونا” المتراخية في السويد

ديتمار بيبر – (دير شبيغل) 19/9/2020

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تراجع الدعم الشعبي لاستجابة السويد المتراخية لفيروس كورونا، والوضع في دور رعاية المسنين في البلاد مقلق، ومهندس النهج السويدي، أندرس تيغنيل، يدفع عن مساره الموصوف.

  • * *
    اليوم، مثل كل يوم، يتم توجيه كل سؤال تقريبًا لرجل واحد: أندريس تيغنيل، عالم الأوبئة في دولة السويد. وهناك ثلاثة أشخاص آخرين يقفون إلى جانبه على خشبة المسرح في المؤتمر الصحفي، ولكن بالكاد يريد أحد أن يسمع منهم.
    تيغنيل رجل منحوت الملامح يبلغ من العمر 64 عامًا، يرتدي قميص “بولو” وسترة واقية. وهو يتمتع بشعبية كبيرة في السويد، حيث تظهر صورته على القمصان -بل إن أحد المعجبين نقش وشماً لوجهه على ذراعه. كما أصبح تيغنيل أيضًا من المشاهير الدوليين. وهو يُعد مهندس نهج السويد الخاص للغاية في مقاربة جائحة فيروس كورونا.
    في المؤتمر الصحفي، يشرح تيغنيل أحدث الأرقام. تم تسجيل 48 حالة وفاة جديدة يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي في البلاد، كما أن عدد المرضى في وحدات العناية المركزة الذين يعانون من “كوفيد-19” آخذ في التناقص. ومع ذلك، شهد البلد عدداً أكبر من المصابين حديثًا في الأيام القليلة الماضية مقارنة بالماضي القريب، ولكن هذا ليس مدعاة للقلق، كما يقول تيغنيل: “لقد ازداد عدد الاختبارات مؤخرًا بشكل كبير”. وبطبيعة الحال، سيؤدي هذا إلى اكتشاف المزيد من الحالات.
    في حين أمضى بقية العالم أشهرًا في مناقشة نهج السويد تجاه الوباء، لم يكن هناك سوى القليل من الجدل السياسي حوله في البلد نفسه. لكن هذا شرع في التغيُّر الآن وأصبح الجدل في السويد يزداد سخونة. هل كانت ستوكهولم محقة في الاستجابة للوباء من خلال تطبيق حظر خفيف لطيف وطوعي في الغالب؟ يوجد في البلاد الآن واحد من أعلى معدلات الوفيات في العالم. واقتصاديًا، ما تزال السويد تكافح.
    ولا يمنع هذا بعض الناس من رؤية السويد كمعقل للحرية المدنية والعقل. لكن البعض الآخر مرتعبون من عدد القتلى. وأصبحوا يعتبرون السويد نقطة ساخنة خطيرة لفيروس كورونا. وألمانيا واحدة من العديد من الدول الأوروبية التي لا ترحب بالمسافرين السويديين هذا الصيف.
    بلد يحكمُه العلماء
    يوم الأربعاء الماضي، تجاوز عدد الوفيات المرتبطة بفيروس كورونا في السويد 5.000 حالة، وهو إجمالي يزيد بأربع مرات عن عدد الوفيات في فنلندا والنرويج والدنمارك مجتمعة.
    لكن أندرس تيغنيل ما يزال واثقاً. وما يزال يؤمن بالنهج السويدي ويأمل في أن تكون بلاده محمية بشكل أفضل في الخريف عندما يمكن أن تضرب موجة ثانية من الإصابات دولًا أخرى. ومع ذلك، أظهرت أحدث دراسة أن 6.1 في المائة فقط من السويديين تكونت في دمهم الأجسام المضادة اللازمة لمقاومة فيروس كورونا. وبالنسبة لتيغنيل، ليست هذه أفضل الأخبار.
    من غير الواضح ما إذا كانت استراتيجيته تهدف إلى تحقيق ما يسمى بـ”مناعة القطيع”. في بعض الأحيان يتحدث عن كيفية الوصول إليها في غضون بضعة أشهر. وفي أوقات أخرى، ينفي أن هذا هو الهدف الذي يعمل بنشاط من أجل تحقيقه. لتحقيق مناعة القطيع، يجب أن يكون 70 في المائة من السكان قد أصبحوا محصنين.
    ثمة بعض المفارقة في حقيقة أن النهج السويدي يحظى بالتمجيد، قبل كل شيء، من أولئك في ألمانيا الذين يشكون من أن بلدهم يحكمه علماء الفيروسات. وفي واقع الأمر، فإن السويد هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي يحكمها العلماء حقاً في الأشهر الأخيرة.
    ليس تيغنيل سوى رئيس قسم في وكالة الصحة العامة فحسب. ومع ذلك، لديه موقع مؤثر بشكل غير عادي. وذلك لأنه وفقًا لدستور السويد، فإن الخبراء داخل الهيئات الإدارية هم الذين يقررون بشأن القضايا الأساسية. والحكومة تستمع إليهم.
    الآن، ينكر تيغنيل، بشكل مفاجئ إلى حد ما، أنه هو وزملاؤه هم الذين جاؤوا بنهج السويد الحالي في مواجهة الوباء. وفي محادثة قصيرة مع “دير شبيغل”، قال إن السياسيين هم الذين يقررون الأمور في نهاية المطاف. وأضاف: “نحن نتبع القواعد والنصائح التي يقدمونها لنا”.
    ولكن، في السويد، أليس العكس هو الصحيح؟ يقول تيغنيل: “كلا، هذا ليس صحيحًا”. أهو كذلك حقاً؟ يبتسم عالم الأوبئة الرسمي في السويد. ثمة بالتأكيد، كما يقول، “علاقة قوية جداً” بين سلطته والحكومة. وكان الأمر على هذا النحو “لمئات السنين”. لكن: “القرار النهائي دائماً ما تتخذه الحكومة”. وقد تنفذ أو لا تنفذ توصيات الخبراء.
    خُذلان المسنين
    ماذا يمكن أن يكون رأي رئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفين في تصريحات تيغنيل؟ لعدة أشهر، كان زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي يكرر في الخطب والمقابلات أنه يعتمد اعتماداً كلياً على علمائه. ويقول رئيس الوزراء: “إنني أستمع إلى أولئك الذين لديهم الخبرة الوبائية” ويضيف أنه مجرد “عالم وبائيات هاوٍ” مثل أي سويدي آخر.
    إذا كان تيغنيل يعني إلقاء المسؤولية الكاملة على كاهل الحكومة، فإن ذلك قد يكون مؤشراً على قوة الضغط الذي يتعرض له. فقد شرعت معدلات التأييد المرتفعة لنهج السويد في مقاربة فيروس كورونا في الانخفاض. في أوائل حزيران (يونيو)، أفاد التلفزيون السويدي بأن الثقة في وكالة الصحة العامة قد انخفضت من 73 إلى 65 في المائة منذ نيسان (أبريل). كما انخفضت الموافقة على الحكومة بشكل أكثر حدة. وانخفضت الثقة في إدارة الأزمات في ستوكهولم من 63 إلى 45 في المائة.
    تعتقد المعارضة في البرلمان السويدي أن وقتها قد حان. طوال الأشهر القليلة الماضية، كانت جميع الأطراف تحترم القاعدة غير المكتوبة المتمثلة في الحفاظ على “هدنة” في أوقات الأزمات. ولكن لماذا؟ تقول إبا بوش، رئيسة حزب الديمقراطيين المسيحيين في السويد، عبر الهاتف: “في البداية، قلنا إننا سنحاول أن نكون بنائين قدر الإمكان”. وكان “قرارهم الاستراتيجي” هو العمل مع الحكومة والتعبير عن النقد “فقط خلف الأبواب المغلقة”.
    ولكن، لم تعد هناك جدوى من القيام بذلك بعد الآن. وتقول بوش: “ليس لدينا سيطرة على انتشار العدوى في البلاد”، وهي حالة تلقي باللوم فيها على الحكومة. وتقول إن إغلاق الحدود الأوروبية أمام المواطنين السويديين هو “وضع خطير للغاية”.
    وليس الأمر أن لديها شكوكًا جوهرية إزاء نهج السويد تجاه الوباء. إنها تعتقد أن إبقاء المدارس والحياة العامة مفتوحين إلى حد كبير هو الشيء الصحيح الذي يجب القيام به. و”لكن الشرط المسبق للقيام بذلك هو حماية المسنين وأولئك المعرضين للخطر”. وهي تعتقد أن الحكومة فشلت في أداء هذه المهمة.
    وبعد ذلك، تضرب بوش مكانًا مؤلمًا: في ستوكهولم، مركز معركة السويد مع الفيروس، خرج الوضع في دور رعاية المسنين عن السيطرة في بعض الأحيان. وكان حوالي نصف ضحايا الوفاة الناجمة عن فيروس كورونا في السويد هم من سكان مؤسسات المسنين.
    “كان سيموت بهدوء”
    بينغت هيلدبراند، وهو طبيب عام، على دراية تامة بالوضع. يعيش والده البالغ من العمر 78 عامًا في دار رعاية خاصة في ستوكهولم منذ إصابته بجلطة دماغية. ويقول: إنها “مؤسسة ذات سمعة جيدة”. في 10 آذار (مارس)، حظرت الدار قدوم الزوار. وظل هيلدبراند على اتصال مع والده عبر “سكايب”.
    في 1 أيار (مايو)، تم تشخيص إصابة والده بـ”كوفيد-19″، وقد أصيب به من أحد الموظفين على الأرجح. وسمع هيلدبراند عبر “سكايب” كيف أن والده يتنفس بصعوبة. “أصبحت حالته أسوأ وأسوأ”. وطالب بنقله إلى المستشفى، لكن طلبه رُفض. ويقول: “وصفوا له المورفين. كان سيموت بهدوء”.
    فقط بعد أيام من الجهد نجح الطبيب في نقل والده إلى عيادة للمسنين. وهناك، تلقى المريض الحقن والأكسجين، وبعد أسبوع تمكن من العودة إلى دار الرعاية. ويقول هيلدبراند: “ما يزال يعيش تحت الضغط بسبب المرض، لكنه على قيد الحياة”.
    هل هذا يعني أن السويد اضطرت إلى التقليل من خدماتها الطبية للمرضى المسنين؟ يعرف هيلدبراند المبادئ التوجيهية من ممارسته الخاصة. ويقول: “يجب معالجة المرضى الذين يتم تمريضهم في المنزل لأطول فترة ممكنة”. وفي المؤسسة التي يعيش فيها والده، تم تفسير هذا المبدأ التوجيهي بشكل خاطئ، فهموه على أنه “طلب بعدم نقل أي مسنين إلى المستشفى”. وهكذا كان واقع الحال في منازل أخرى للمسنين.
    اليوم، أصبح هيلدبراند يعتبر النهج السويدي خطأ. وكان له رأي مختلف في البداية: “لقد اتخذ الكثير من الناس خيارات خاطئة. والآن أصبحت لدينا كارثة”.
    ردة فعل انعكاسية قومية
    بالنسبة للعالمة السياسية جينا غوستافسون، أدت هذه الكارثة إلى هجمات غير متوقعة. في آذار (مارس)، بدأت تنتقد الاستراتيجية السويدية على “فيسبوك” في وقت كانت فيه بريطانيا تغير نهجها بشكل جذري. وتقول غوستافسون: “تغلبتُ على خوفٍ جليدي. لقد تُركت السويد وحدها على طريق كنا قد سلكناه معاً حتى ذلك الحين”.
    وكانت ردود الفعل على مشاركاتها عدوانية في بعض الأحيان، كما تقول. “أُطلقت على المنتقدين أوصاف منذري الشؤم وأنبياء يوم القيامة”. وطُلِب منها هي نفسها “عدم نشر الذعر”.
    في مرحلة ما، قادتها خلفيتها في العلوم السياسية إلى إدراك شيء ما. “كان هذا مجال تخصصي: الهوية الوطنية والمشاعر والوطنية. لقد ميزتُ نمطاً”. السويديون فخورون جدًا بهويتهم الوطنية، فخورون تقريبًا مثل الأميركيين. وتقول غوستافسون: “في الأوقات الهادئة والمستقرة، يمكن أن يكون الفخر القومي شيئًا جيدًا للغاية”. وتضيف أن الوطنية الإيجابية تعزز الثقة في مؤسسات الدولة، بل ويمكن أن تؤدي حتى إلى قبول أكبر بالمهاجرين.
    “ولكن عندما يكون هناك تهديد، فإنه يتحول”. ويمكن أن تكون النتيجة “العدوان على الأقليات والأشخاص الذين لديهم آراء مخالفة”. في البداية، لاحظت أن هذا كان يحدث، ثم اختبرته مباشرة ورأي العين.
    في آب (أغسطس)، من المقرر أن تسافر غوستافسون إلى أكسفورد من أجل مشروع بحثي، إذا سمحت لوائح فيروسات كورونا بذلك، وهي تتطلع إلى أخذ استراحة من السويد. وقد تأثرت بشكل خاص بالاتهام الذي وجه إليها بأنها تثير الكراهية ضد أندرس تيغنيل. وتقول “هذا بعيد كل البعد عن الحقيقة”. وتقول إن وضعه ليس سهلاً. “لقد تم تحويله إلى شخصية أكبر مما هو في الحقيقة”.
    كيف يرى أندرس تيغنيل نفسه دوره كبطل شعبي سويدي؟ “بالنسبة لي كموظف حكومي، هذا موقف غريب أن أكون فيه”، كما يقول. ويقول إنه جعله يبدو أكثر أهمية مما هو عليه في الواقع.
    من ناحية أخرى: “من الجيد جدًا أن تتمتع وكالتنا بمستوى عالٍ من المصداقية”. وإذا كانت شعبيته تساعد، فلا بأس بذلك.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: A Fatal Error: Approval Wanes for Sweden’s Lax Coronavirus Policies

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock